عمرو منير دهب يكتب: محمد علي كلاي.. العضلات ليست كل شيء

الكفاءة الفنية الصرفة ليست كل شيء ولا حتى أهم شيء في أي مجال عمل، لذا لا يبدو غريباً أن تكون العضلات وحدها غير كافية لصنع بطل العالم للوزن الثقيل في الملاكمة؛ أمّا أن يكون ذلك البطل أسطورة فريدة فلا ريب أن الأمر يحتاج إلى أكثر من عدّ المهارات اللازمة للتفوّق في مجال العمل بعيداً عن القوة البدنية الضارية بوصفها العامل الأساس لاقتحام الحلبات وسحق الخصوم.

غير أننا نرتكب خطأً جسيماً على الأرجح عندما نعتبر بعض المهارات ثانوية في هذا المجال وذاك مكتفين بالشهادة الأكاديمية أو المهارة/الخبرة اللازمة بحسب ما يشير إليه المسمّى الوظيفي الذي نحن بصدد تقييم أداء العاملين فيه؛ فما يبدو غير فنّي، أو غير مرتبط مباشرة بالوظيفة كمّا يشير مسمّاها، قد يكون – بل غالباً ما يكون – العامل الحاسم في ترجيح الكفة لصالح الأشدّ كفاءة للقبول في الوظيفة والتفوّق فيها من بعدُ على حساب مساكين يفنون أثمن أوقاتهم في الانصراف إلى إتقان المهارات "الفنيّة" الصرفة المتعلقة بهندسة ميكانيكا الغلّايات في محطات توليد الكهرباء أو جراحة زراعة القرنية أو علم الفلك الرصدي، أو حتى المواي تاي (الملاكمة التايلاندية)؛ والأخيرة لا تبعد كثيراً عن سياقنا هذا على كل حال.

محمد علي كان مغرياً باعتبار أسطورته في محيطنا مدفوعة بأبعاد عقيدية وعرقية، وهي لا ريب كذلك عندنا؛ لكن الملاكم الأشهر في تاريخ اللعبة لم يقف بصيته الاستثنائي عند حدود عالمنا العربي/الإسلامي/الإفريقي فحسب وإنما تخطّاه إلى العالم أجمع؛ بل إن أسطورته نشأت أصلاً كما هو معلوم في الجهة المقابلة من العالم ولم تُعِقْها ابتداءً تلك الخلفيات العقيدية والعرقية، إنْ لم تكن قد غَذَتْها بخصوصية أكسبتها مزيداً من السموّ والألق.

عندما يتعلّق الأمر بحياكة قصة نجاح عظيمة، فإن الأبطال الاستثنائيين من أمثال كلاي ينصتون فقط إلى الأصوات التي تحثّهم من أعماقهم على اقتحام العالم بالطريقة التي يرونها مستحقة؛ وربما الأدق أنهم لا يرهفون السمع عمداً إلى تلك النداءات الباطنية قدر ما يستجيبون لها دون وعي، وربما برعونة كما في حالة بطلنا هذا تحديداً.

لم يكن محمد علي وحدَه على الساحة/الحلبة حين كان نجمه يواصل السطوع على نحو استثنائي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فقد كان إلى جواره العديد من نجوم الوزن/العيار الثقيل الاستثنائيين بدورهم مثل جورج فورمان وجو فريزر، كما جاء من بعده نجوم استثنائيون آخرون من أمثال مايك تايسون وإيفاندر هوليفيلد وحتى ديونتاي وايلدر؛ ذلك فضلاً عن الأسماء اللامعة خارج الحلبة الأفروأمريكية كالبريطاني تايسون فيوري والأوكراني أولكساندر أوسيك اللذين لا يزال نجماهما متألقين بالإنجازات المتبادلة على حلبات ملاكمة المحترفين العالمية وأهمها اللقب الخرافي "بطل العالم بلا منازع" إجمالاً لحمل ألقاب الوزن الثقيل الأربعة الرئيسة: الاتحاد الدولي للملاكمة IBF، رابطة الملاكمة العالمية WBA، المجلس العالمي للملاكمة WBC، ومنظمة الملاكمة العالمية WBO.

لكن كلاي لا يزال يخطف الأبصار، لا باعتباره بطلاً بارزاً في اللعبة الوحشية فحسب، بل بوصفه أبرز محترفي الملاكمة على مرّ العصور إذا كان لا بدّ من تسمية لاعب بعينه؛ بل إن البعض يذهب لتنصيبه أعظمَ شخصية رياضية في كل الأزمان؛ وإذا كان اللقب الأخير يبدو مرسلاً ويحتمل المبالغة فإن "رياضي القرن/شخصية القرن الرياضية" لقب دانَ لكلاي بالفعل على خلفية استفتاءين أجرِيا أواخر الألفية الماضية: واحد بواسطة المجلة الرياضية الأمريكية الشهيرة سبورتس إلَستريتيد Sports Illustrated والآخر من قبل هيئة الإذاعة البريطانية BBC.

بصرف البصر عن جدال الألقاب وأحقية مَن أطلِقتْ عليهم بها، وهو جدال يختلط فيه غثّ الأفكار وسمينها، فضلاً عن المشاعر المتضاربة من كل جانب؛ وعبر شخصية نزقة ومغرورة بشكل صارخ، استطاع محمد علي كلاي أن يرسم أسطورة منقطعة المثال؛ والأساطير – ليس في حلبات ملاكمة الوزن الثقيل وما شاكلها على ميادين الرياضات العنيفة فحسب – تتحقّق على كل حال بفضل الجموح الواثق أكثر مما تتحقّق بالتبصّر المتأمّل في العواقب.

إذا كان بطلنا الاستثنائي هذا قد كفّ منذ زمان بعيد عن أن يلسع كالنحلة، فإن أسطورته الفريدة لا تزال ترفرف كالفراشة بإلهام عابر للأجيال.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])