عمرو منير دهب
يقول البوصيري في البردة:
وَالنَّفَسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى * حُبّ الرّضَاعِ وَإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِــمِ
ويقول شوقي في نهجها:
والنفسُ من خيرِها في خيرِ عافيةٍ * والنفسُ من شرِّها في مَرتعٍ وَخِمِ
يأسر تشبيه البوصيري الألباب لأول وهلة عند المقارنة بين البيتين بما يجعل الموازِن ينحاز إليه على حساب بيت شوقي؛ وفي المعارضات تكاد المقارنة تكون بين كل بيت والبيت الذي يقابله في القصيدة المعارضة، والراجح أن الشاعر المعارِض يعمد إلى المعاني البارزة في القصيدة التي يعارضها فلا ينسج على منوالها فحسب بل يحاول ما وسعه أن يسمو عليها؛ وفي نهج البردة حاول شوقي أن لا يدع معنى بارزاً من معاني البوصيري دون أن يتعقّبه بالمطارحة السامية؛ وهو عندما يقول:
اللهُ يشهدُ أني لا أُعارضُهُ * مَن ذا يُعارِضُ صوْبَ العارضِ العَرِمِ
عندما يقول شوقي ذلك فإنما يقوله تأدّباً، خاصة أن المعارضة في مقام ديني مقدّس، إضافةً إلى أن شوقي من الفطنة بحيث لا يخسر جمهور البردة من المحبين المغالين للبوصيري الذي وطّد أركان المديح النبوي شعراً؛ ومن شأن تلك اللمحة من التواضع "المتكلَّف" أن تجعل جمهور البوصيري بأكمله ينضاف إلى جمهور شوقي. وإن يكن من المهم الانتباه إلى أن أمير الشعراء، الذي كان بالغ التهذيب في علاقاته مع الناس، لا يتّصف عادة بفضيلة التواضع عندما يتعلّق الأمر بالمنازلات الشعرية الخالصة، وقد رأينا كيف تعالى على المتنبي شخصياً؛ وبذلك فإن إقراره بالتراجع عن معارضة البوصيري (بل بعدم نيّة المعارضة ابتداءً) إنما هو من باب التواضع على الصعيد الأخلاقي المحض لا على الصعيد اللغوي/الشعري مطلقاً؛ فـ"العارض العرم" إشارة سماوية/روحانية خالصة لا إحالة إلى مقام أدبي بحال؛ والبيتان السابقان والتاليان للبيت الذي أشرنا إليه يؤكّدان هذا المعنى بما لا يدع مجالاً يُذكَر للشك:
المادحون وأربابُ الهوى تَبَعٌ * لصاحبِ البُردةِ الفيحاءِ ذي القَدَمِ
مديحُه فيك حُبٌّ خالصٌ وهوىً * وصادقُ الحُبِّ يُملي صادقَ الكَلِمِ
وإنَّما أنا بعض الغابطين ومَن * يغبِطْ وليَّك لا يُذمَمْ ولا يُلَمِ
هذا مقامٌ من الرحمنِ مُقتبَسٌ * تَرمي مَهابتُه سَحبانَ بالبَكَمِ
بالعودة إلى بيت البوصيري الذي يخلب الألباب للوهلة الأولى، نجد أنه قد ذهب إلى تشبيه النفس بالطفل، وهذه هي العثرة الأولى، فالتشبيه على جماله وبلاغته لا يجب أن يكون مطلقاً بل مقيّداً بمراحل نموّ النفس؛ وعليه فإن النفس التي تشبه الطفل هي تلك التي يتمّ تعهّدها بالرعاية (من قبل صاحبها) أوّل الأمر عند الانتباه في أيٍّ من مراحل العمر إلى نوازعها الحادّة والمراوغة. وبمواصلة تعقب أركان التشبيه تتكشّف المزيد من العثرات البلاغية والمنطقية متوارية خلف الصورة اللغوية البرّاقة، فالطفل إنْ تهمله لا يشبّ على حب الرضاع، فـ"شبّ" بالتأصيل المعجمي تفيد بلوغ الشباب، في حين أن الطفل "المهمَل" يتجاوز الحدّ الطبيعي للرضاع بقليل أو حتى بكثير، ولكن ليس إلى درجة إدراك طور الرجال بحال.
بمزيد من التعقّب، وربما ببلوغ الغاية من التشبيه، نرى أن وجه الشبه ليس واحداً أو حتى متقارباً بين الحالين، فالرضاع بطبيعة الحال ليس شرّاً يجب مراقبة الطفل إزاءه، وإنما هو محض خير منذ الولادة حتى أوان الفطام، في حين أن نوازع النفس ليست متعلّقة بعمر معيّن قدر ما هي ملازمة للفرد على مدى حياته وإن تغيّرت طبيعتها بتغيّر المراحل العمرية بحيث تكتسب كل طبيعة في كل مرحلة حدّتها الخاصة بما يجعل التصدّي لأيٍّ من تلك النوازع تحدّياً مستمرّاً لا قراراً يجب اتخّاذه في أوان بعينه من عمر الإنسان.
لا ريب أن عبقرية شوقي الشعرية، وعبقريّته في معارضاته تحديداً، انتبهت إلى كل ذلك، ما جعله لا يزايد في المباراة البلاغية مكتفياً بتشبيه أقرب إلى الضمني آخر البيت جعل فيه النفس مع الشر كالماشية في المرعى الفاسد. تلك ضربة سديدة من الأمير، فعند المطارحة اللغوية لا شيء يُظهر حُسنَ الشيء أفضل من الضدّ، وبذلك كان لزاماً على شوقي أن يعمد إلى بلاغة البساطة إزاء بلاغة البوصيري التي لم تكن مبالغة فحسب وإنما كانت غير موفقة على نحو ما أشرنا، وذلك رغم فتنة وهلتها الأولى الأخاذة.
تلك إشارة واحدة لكنها ليست عابرة بالنسبة لما يفعله شوقي في معارضاته، فهو بالغ الانتباه، يتّسم بروح تنافسية عالية قادرة – بل مصرّة – على تعقّب كل شاردة لغوية وواردة بلاغية في الأصل المعارَض بغرض تجاوزها لا مجاراتها فحسب.
بذلك في الاعتبار، سما شوقي فنّياً في معارضاته التي لم تكن إزاء كبار الشعراء الأقدمين بصفة عامة وإنما تحديداً مصوّبة تجاه أشهر قصائد أولئك الفحول؛ سما بحيث تجاوز إنْ لم يكن كلّ من عارضهم فمعظمهم. أتحدّث هنا عن الناحية الفنيّة الصرفة، فثمّة ناحية أخرى لا يمكن الجزم فيها بتفوّق شوقي، بل على العكس تظلّ الغلبة من تلك الوجهة للقصيدة الأصل في حالات عديدة، وتلك الناحية ليست سوى حظوة القصيدة في الانتشار لأسباب انفعالية ذات ارتباط عميق بوقائع ونواحي تاريخية عميقة التأثير في الوجدان العربي نخبوياً وجماهيرياً.
من تلك الناحية، أرى أن نونية ابن زيدون (أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا) تسمو على نونية شوقي (يا نائِحَ الطَلحِ أَشباهٌ عَوادينا)، حتى إذا كانت الوجهة الفنية الصرفة قد تحكم لصالح الأخيرة على حساب الأولى. ومن الناحية نفسها، أرى أنه لا سبيل إلى مقارنة حظوة رائعة أبي تمام في المعتصم وموقعة عمورية (السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ) بقصيدة الأمير في أتاتورك ومعركة الأناضول (اللَهُ أَكبَرُ كَم في الفَتحِ مِن عَجَب)؛ ومأزق شوقي هنا – رغم رائعته – مضاعف، فحظوة قصيدة أبي تمام هذه تكاد تكون فريدة إزاء كل كلاسيكيات الشعر العربي لا القصائد التي عارضتها فحسب.
أمّا سينية البحتري (صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي) فهي أيضاً مما أراه ذا حظوة عابرة للزمان، وإن تكن الحظوة هذه المرّة أشدّ نخبوية بالنظر إلى القيمة المعنوية شديدة الخصوصية للقصيدة من حيث روعة/نبل الانكسار والوقوف المحايد - بل المنصف للخصم - إزاء المطارحات الحضارية؛ أقول ذلك رغم الروعة الفنية منقطعة النظير لقصيدة شوقي (اختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي) واشتمالها على أكثر من بيت جرى مجرى الأمثال من قبيل "أَحرامٌ عَلى بَلابِلِهِ الدَو * حُ حَلالٌ لِلطَيرِ مِن كُلِّ جِنسِ" و" وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ * نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي".
في كتابه "حياة شوقي" يقول أحمد محفوظ: "فهل نستطيع أن نجزم أن شوقي أشعر من المتنبي أو من أبي العلاء أو من بشار بن برد أو من البحتري أو من ابن الرومي أو من أبي تمام. لقد تعرّض للبعض من هؤلاء فعارضهم في أشهر قصائدهم فغلبوه في بعض القصائد وغلبهم في بعضها. عارض المتنبي في رثائه لجدته... (أَلا لا أُري الأَحداثَ حَمداً وَلا ذَمّا)... برثائه لأمه... (إِلى اللَهِ أَشكو مِن عَوادي النَوى سَهما) وقد أحسّ بالهزيمة فلم ينشر قصيدته في حياته خوفاً من الفارق الفني بين الاثنتين، ونُشرت بعد موته... ثم عارض أبا العلاء بقصيدتين، غلبه في الأولى (أَجَلٌ وَإِن طالَ الزَمانُ مُوافي لشوقي مقابل أوْدَى فلَيتَ الحادِثاتِ كَفَافِ لأبي العلاء) واستعلى عليه أبو العلاء في الثانية (غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي لأبي العلاء مقابل كُلُّ حَيٍّ عَلى المَنِيَّةِ غادي لشوقي)... ثم عارض البحتري في سينيته... والأديب الناقد يقف حائراً في التفضيل بين هاتين التحفتين الفنيتين (صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي للبحتري مقابل اختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي لشوقي) ... ثم عارض بائية أبي تمام... ببائية في نصر الأتراك... والمطلعان (السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ * في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ لأبي تمام مقابل اللَهُ أَكبَرُ كَم في الفَتحِ مِن عَجَبٍ * يا خالِدَ التُركِ جَدِّد خالِدَ العَرَبِ لشوقي) لا يحتاجان إلى تدليل للمفاضلة (ينتصر المؤلف لأبي تمام)... وهذه قصيدة النيل (مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ) والغالب أنه عارض بها قصيدة المتنبي (أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلِيَ يَأرَقُ) وقد فات فيها المتنبي وخلفه وراءه بمدى بعيد".
لا آراءُ أحمد محفوظ الواردة أعلاه ولا آراؤنا التي سبقتها قطعية الدلالة بحال، وكذلك آراء النقاد الذين عرضوا لمعارضات شوقي مثل طه حسين في "حافظ وشوقي" وزكي مبارك في "أحمد شوقي" والعديد غيرهما، فالتحدي ماثل منذ فجر المقارنات الأدبية بصفة عامة، إذ ليس ثمة في أسواق البلاغة الشعرية ميزان ذهبي دقيق نضع على إحدى كفتيه بيتاً لأحمد شوقي وعلى الكفة الأخرى بيتاً لفحل من الشعراء لنرى أيّ الكفتين ترجح فنحكم لصاحبها بالتفوّق والفضل.
تحدّيات المفاضلات الأدبية من ذلك القبيل أقرب على الأرجح إلى أن تكون مزيجاً من أحكامنا في ضوء ما تمليه علينا ضمائرنا النقدية والاستسلام إلى لذة ميولنا العاطفية التي تتشكّل بدورها بتأثير مزيج معقَّد من العوامل الثقافية والاجتماعية والشخصية شديدة التباين والتأرجح على مرّ الزمان.