فاطمة خير تكتب: كاميرا المرأة.. العالم بعيون تبحث عن المعنى

وجه المرأة مرآةٌ للعالم: ينعكس فيها جماله أو قبحه، وكاميرا المرأة عيونٌ ترى ما وراء الصورة.

تحسن النساء التحدث، ويحسنّ بالتأكيد لغة الصورة، ليس الأمر هو أنني أنحاز لهن وحسب؛ بل أني أؤمن أن امرأةً تتقن ما تفعل وتحب، هي بالتأكيد قادرة على تغيير العالم، على صنع نسخة أفضل منه، فهي باعثة للحياة والمعنى، ويبدو أنني لست وحدي من يرى ذلك، أو ربما أن النساء قادرات على فرض وجودهن في عالم لا يزال يحارب تحققهن الإنساني حتى ولو ادعى غيرذلك، وفي افتتاح مهرجان دولي كبير للتصوير وهو معرض إكسبوجرالشارقة للتصوير الفوتوغرافي 2024 في دورته الثامنة، تم اختيار مصورتان لإلقاء كلمتي الافتتاح، وجاء حديثهما عن كيف تكون الصورة وقت الحرب.. وأُخرى دفاعاً عن البيئة، وهذا هو أول ما لمس قلبي وقت كنت وسط مجتمع من أفضل مصوري العالم.

في حفل الافتتاح استولت الأمريكية الصينية نيكول تانج - المصورة الصحفية على قلوب الحاضرين وكنت منهم، كنت أتصور قبلها أن مشاعري تبلدت وأنا أعيش كغيري من مواطني العالم فترة قد تكون الأصعب من قدرة الصورة على نقل الأحداث المؤلمة في غزة وغيرها من المناطق المنكوبة في العالم؛ لكنني حين رأيت الصور أمامي دق قلبي مجددا واكتشفت أن الصورة لاتزال قادرة على تحفيز مشاعري.


كانت تانج تتحدث وهي مستولية على انتباه الجميع بصورها وحديثها، وأنا أسال نفسي: امرأة وسط كل ذلك! امرأة ترى بهذِه العين..هل يرى الجميع ذلك؟ أأدركتم قوة النساء؟ ثم أتراجع لأركز في اللحظة محاولةً أن أنفض عن ذهني التفكير في مدى روعة وقوة النساء برغم كل شئ، ثم تستولي عليّ صورة أقوى ما فيها هو نظرة صبية تنظر لجدتها، فأجدني أخبر نفسي مجدداً: طبعاً صورة رائعة للحظة تُعَبِر عن علاقة أجيال النساء ببعضهن.. فقد التقطتها امرأة! يتوقف عرض هذهِ اللقطة كثيراً.. يا لحظي! أذهب مع أفكاري مجدداً، وأنقل عينيا بين الصبية وجدتها وبين نيكول المصورة بسيطة الطلة قوية الحضور، فأنفصل عن العالم وأشعر أن النساء بالتأكيد قادرات على كل ما يرغبن فيه، لا أحد يوقف امرأة عما تريد.. حتى ولو كانت الحرب.


تصرخ كاميرا النساء لتخبر العالم أن كل هؤلاء هنا: يتألمون ويحاولون النجاة، لكن كاميرا المصورات أيضاً تجوب العالم لتطلق صرخة الأرض، أو كما يسمونها أحياناً "جايا"، تختار مصورات عديدات أن يدافعن البيئة، فتجوب كلٍ منهن العالم لتحذر من أننا على وشك الفناء لأننا لم نهمل بيئتنا فحسب؛ وإنما حاربناها أيضاً، لم تتردد كون الآخرين يولون اهتمامهم لمصائب تبدو أكثر إلحاحاً، حملت كاميرتها وجابت العالم من شماله لجنوبه ومن شرقه لغربه، لتنذر بالفناء، فقط باستخدام الصورة، ومجدداً أجد نفسي وقد تورطت في الإعجاب بهن أولاً لأنهن نساء! كم حاجزاً عبرت كلٍ منهن كي يتركها العالم تعيش خيارها في أن تجوب جنباته لا صحبة لها سوى الكاميرا؟

في مساحة مفتوحة لعرض 2500 صورة لأربعمائة مصور من أنحاء العالم كافة، أتساءل كيف استطاعت كل مصورة أن تجد لنفسها موضع قدم في هذا العالم: عالماً تُصِورَهُ..وعالم الاحتراف؟ وكيف لها ككل المصورين أن تلمس الجمال وأن تصل به بر العرض في مساحة تجعله متاحاً لمن يبحث عنه؟


في ندوة حملت عنوان "تمكين المرأة في التصوير الفوتوغرافي والفن"، دار نقاش شيق بحضور المصورتين الإماراتيتين فاطمة الموسى وهند تريم، والمصورة اللبنانية الأمريكية رانيا مطر، التي أعلنتها صراحةً أنها تركز على تصوير النساء، ولأن عدداً كبيراً من المصورات من جنسياتٍ عدة كن حاضرات، تناول الجميع كل ما يمكن أن يقف أمام المرأة التي تختار التصوير كمهنة من عقبات، وكيف يمكن التغلب على ذلك.


بالتأكيد فإن رحلة المصورة، كرحلة كل امرأة أرادت أن تثبت وجودها في هذا العالم، مليئة بالصعاب والتحديات، ووجه المرأة أيضاً هو مرآة تحكي رحلة البشرية وواقعها، المرأة هي الحكاية والراوي بعيون الكاميرا.


نرشح لك: السيلفي والذكاء الاصطناعي.. من يمتلك الصورة الموبايل أم الكاميرا؟