تحليل

عمرو منير دهب يكتب: الخائن والحقيقة.. الفصل الثامن عشر من كتاب “كل شيء إلا الحقيقة”

رأينا أن مفاهيم تكاد تكون مطلقة في قداستها لدى الناس كالحق والخير والجمال هي في الواقع نسبية إلى مدى بعيد، مدى لا يقف عند حدود تعريف المفهوم وهو يتقلّب باختلاف الأزمنة والأماكن بل يمتد ليشمل التباين في استجابات الناس للمفهوم الواحد المتفق عليه ضمن مجتمع ما في مكان محدّد ولحظة بعينها من عمر الزمان.

والحال كتلك، وبوصف الشرف كامناً في متن مثلث الحق والخير والجمال، هل يمكن تعريف الخيانة وتحديد مواصفات الخائن بوضوح؟ الإجابة هي “نعم مؤكدة” إذا تم الاستناد إلى مرجع بعينه – ضمن إطار مكاني وزماني ومجتمعي بالغ التحديد – لا يضع فقط تعريفه الحادّ للخيانة وإنما يصدر أحكامه ويفرضها بذات الحدّة التي لا تقبل المجادلة على من يراهم خائنين. والإجابة هي “لا” إذا انفتحت الآفاق على مفهوم نسبية كل فكرة مهما تَبْدُ مبجّلة لدى البعض، وهي “لا قاطعة” عند النزول من سماوات التنظير في إطلاق التعريفات المثالية إلى أرض الواقع الذي يقتضي إصدار الأحكام الصارمة تجاه حالات تتداخل وتتشابك في شأنها المؤثرات العقلية والعاطفية من كل قبيل.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: كلنا يتشبّث بالسلطة.. الفصل السابع عشر من كتاب “كل شيء إلا الحقيقة”

تعريف الخائن إذن والحكم عليه ليسا أمراً يسيراً وقاطعاً إلا استناداً إلى أطر بالغة التحديد وشديدة الانغلاق، سواء بحكم ضرورةٍ ما أو من أجل مصلحة مادية أو معنوية. فإذا علمنا أن أي واقع لا يخلو من المصالح المادية والمعنوية على تباينها، وعملنا كذلك أننا جميعاً لا نسلم من أن نجد أنفسنا بين الحين والآخر محشورين في إطار بالغ التحديد وشديد الانغلاق، بات جليّاً أن تعريفاتنا للخائنين وأحكامنا عليهم هي مسألة مقيّدة تماماً بأطر إدراكنا ومؤثرات مصالحنا المادية أو المعنوية لحظة ابتداع التعريف أو عند إطلاق الحكم على هذا الخائن وذاك.

البحث عن الحقيقة المطلقة أو الصواب الكامل مسألة لا يمكن مقاومة إغرائها، لكن إدراك أي منهما مهمة لا تزال مستحيلة. وعليه، لا يبدو منطقياً أن يُطلب من أيٍّ من الناس الكف عن تخوين الآخرين إلى حين إدراك التعريف المطلق للخيانة والاتفاق على العقوبة الصارمة والعادلة التي يستحقها الخائنون.

بذلك، يمكن النظر إلى الشرف والخيانة باعتبارهما طرفي نقيض يتنازع الناس عليهما بحيث يجذب كلُّ فريق أحدَ الطرفين إلى نفسه ويسميه الشرف ويدفع الطرف الآخر إلى خصومه وينعته بالخيانة، فتستمر المعركة في الحياة – معركة ادّعاء الشرف ورمي الخصم بالخيانة – ليس استناداً إلى المبادئ في المقام الأول وإنما اعتماداً على المهارة في ترويج الصورة المبتغاة لمفهوم الشرف والخيانة في موقف بعينه، واستناداً إلى القوة في مكافأة الشرفاء ومجازاة الخائنين، كلّ بحسب حظه من المهارة والقوة في هذا الموقف وذاك.

في كتابه “الثقة والأخلاق والعقل البشري” الصادر عن منشورات ابن النديم بوهران ودار الروافد الثقافية ببيروت سنة 2021، ترجمةً للطبعة الإنجليزية بعنوان Trust, Ethics and Human Reason، يقول الفيلسوف الفنلندي أُولي لاغرسبيتز Olli Lagerspetz: “ينتقد هاردين (Russell Hardin) من جانبه التفسيرات المعيارية البحتة للثقة، التي يكون فيها من المؤكد بشكل شائع أن الثقة هي مفهوم أخلاقي. حيث يصف هذه التفسيرات بأنها تزعم أنه من الأخلاقي أن نثق ومن اللاأخلاقي ألّا نثق. مثل هذا الادعاء سيكون عرضة للاعتراض الواضح الذي مفاده أننا لا يمكن أن يُطلب منا الوثوق بأولئك الذين لن يترددوا في استغلالنا. على أية حال، على خلاف هاردين، فكرة أن الثقة هي “مفهوم أخلاقي” لا تحتاج إلى أن تنطوي على أي موقف يتعلق بالالتزام العام بالثقة. المعنى الضمني ليس أن الوثوق هو أمر جيد دائماً بداهةً، بل بالأحرى إن الاعتبارات المتعلقة بالالتزام الأخلاقي يُسلّط عليها الضوء بالضرورة بمجرد أن يثبُت أن شخصاً ما يثق بنا. نحن ننتقل إلى فضاء التفكير الأخلاقي حيث تكون مفاهيم كالخيانة، والصمود، والضمير مفهومة. وهكذا، فإن المعيارية لا تأتي من نظرية فلسفية؛ إنها موجودة مسبقاً عندما يختار شخص ما أن يصف العلاقة على أنها علاقة ثقة”.

في موضع الاقتطاف هذا من الكتاب يعرض المؤلف للثقة كمفهوم أخلاقي عبر أكثر من مفكر وفيلسوف، وهو فيما قبل هذا الموضع وبعده من كتابه يستعرض الثقة كما وردت لدى العديد من الفلاسفة والمفكرين والأدباء منذ القدم وحتى الحقب الحديثة. على سبيل المثال، ومقابل استعراضه للثقة كمفهوم أخلاقي، يتناول لاغرسبيتز في موضع آخر الثقة عبر فلاسفة على الطرف الآخر من النقيض بوصفها مرتبطة بالمصلحة، مع ضرورة تذكُّر أن العلاقة بين الثقة والخيانة/الخذلان/الارتياب لا يمثلها طرفا نقيض بقدر ما تمثلها درجات متداخلة من الألوان تتجاوز بكثير ألوان الطيف الشهيرة في الدلالة على التعدد والتباين.

الثقة والخيانة إذن ليسا مفهوماً أخلاقياً في كل الأحوال، غير أن التجاسر على النظر إلى الثقة والخيانة من منطلق مادي لن يضمن بحال فض الاشتباك بين النقيضين المراوغين، بقدر ما يزيد التداخل المتشابك بينهما تعقيداً على الأرجح.

إذا كانت الخيانة/الخذلان/الريبة والثقة/الوفاء/الالتزام على ما رأينا من التعقيد فيما سلف من الاستعراض العابر ونحن ننظر إلى المفهومين المتقابلين/المتداخلين من وجهة نظر المتأثِّر، فيا تُرى كيف تبدو الخيانة تحديداً من وجهة نظر من يراه الآخرون خائناً؟

الأرجح أن ردة الفعل لدى المصنَّف من قِبل الآخرين خائناً تتراوح بين استجابتين بارزتين: الأولى ينطلق من خلالها المتهَّم لنفي وصمة الخيانة عن نفسه انطلاقاً من تبريرات تسعى (بصدق بالغ أحياناً) إلى إيجاد مخرج أخلاقي لصنيعه، والثانية يلجأ إليها متهم لا يعنيه كثيراً وصفه بالخيانة بقدر ما يعنيه الوقوع على مبررات عملية/مادية تسوّغ من منطلق براغماتي صرف صنيعه الموسوم من قِبل الآخرين بالخيانة.

والحال كتلك، تبدو الخيانة كما لو كانت مفهوماً يحاول كلُّ مجتمع تشكيلَه وترسيخَه بتأثير بواعث مادية أو معنوية تخصّه لا يرى الموسومُ بالخيانة نفسَه مضطراً إلى قبولها وذلك استناداً إلى تبريرات مادية أو معنوية تخصّه بدورها.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock