تحليل

عمرو منير دهب يكتب: الكائنات والشهرة.. الفصل الحادي والعشرون من كتاب لوغاريتمات الشهرة

 

القول بأن الإنسان هو أكثر الكائنات تطلّعاً إلى الشهرة يتضمّن تعميماً يغري باعتباره في مقام البديهيات، بل هو تعميم غير دقيق لدى البعض الذي يرى أن الإنسان هو الكائن الوحيد المتطلّع إلى الشهرة. ذلك التعميم – بأيٍّ من صورتيه – ينبني غالباً على فكرة أن الإنسان أكثر الكائنات قدرة على التعبير عن المشاعر المعقدة. وإن يكن جديراً بالانتباه أن الإنسان ليس أكثر الكائنات تعاملاً مع المشاعر المعقدة بالضرورة، فما المانع من أن يكون لدى الحيوانات أحاسيس بذات تعقيد المشاعر البشرية ولكنها تتبادلها وتفصح عنها ضمن الدوائر التي نراها ضيقة لأجناسها وفصائلها الخاصة؟ وما المانع من أن تكون الحيوانات بدورها تنظر إلينا على أننا نخلو من المشاعر المعقدة ومن المقدرة على التعبير عنها وذلك بالنظر إلى استجاباتنا الساذجة والفظّة لنظراتها وحركاتها وأصواتها التي عادةً ما نتجاهلها تماماً في أحسن الاحتمالات؟

بحساب ما سبق في الاعتبار، يمكن أن تكون الشهرة حلماً وتطلّعاً متداولين في عوالم الحيوانات على اختلافها. وباختصار الشهرة في التعبير المتداول “حب الظهور”، فإن مراقبةً دقيقة لأية مجموعة صغيرة من الحيوانات يمكن أن تكشف أيّ أعضاء المجموعة هو أكثرها تطلّعاً إلى الحركة والظهور وأيها الأكثر ميلاً إلى التواري في المقابل، وربما يكون الأيسر خلال مراقبة من ذلك القبيل تحديد أي أعضاء تلك المجموعة هو الذي يمارس دور القائد فيستجيب له باقي الأعضاء بالقبول والإذعان.

نرشح لك: سقراط والشهرة: الفصل التاسع من كتاب لوغاريتمات الشهرة

وبرغم أن القيادة مهمة عسيرة، فإنها بإزاء الشهرة تبدو كما لو كانت سلوكاً أقلّ تعقيداً من حيث اكتشافه في الحيوان وتتبّع إرهاصاته وتجلياته، سواءٌ على الحيوان القائد أو على الفئة المقودة من القطيع. بالنسبة للشهرة، أو حب الظهور، يبدو الأمر إذن أكثر تعقيداً عند محاولة تبيّنه بالمراقبة، ما يغري بالقول إن الشهرة بالفعل بمثابة سلوك أكثر تعقيداً في تفاصيله من القيادة، حتى إذا بدت القيادة أكثر خطورة في آثارها من الشهرة، وإن تكن الأخيرة قادرة على أن تكتسح كل مجال بما في ذلك القيادة نفسها.

وإذا باتت أحاسيس النباتات بمثابة الحقيقة العلمية، وظلّ البعض يستجيب لكثير من الجمادات في محيطه اليومي كما لو أن لديها مشاعر متبادلة معه، فإن مدخل الحديث إلى الشهرة في عوالم تلك الكائنات ليس تطلّعها إلى الشهرة بصفة خاصة أو مشاعرها المحتملة بصفة عامة وإنما هو ما تحقّقه من الشهرة في خواطر البشر بما يبدو إنجازاً خالصاً لها بعيداً عمّن ساهم في تحقيق ذلك الإنجاز من بني آدم وبنات حواء.

تُحقِّق الكائنات من الشهرة بحسب اهتمام الإنسان بها، وعليه فإن الإنسان هو من يجيز شهرة أي من الكائنات من حوله سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بقصد أو من غير تعمّد.

تتباين شهرة الحيوانات مثلاً بتباين أجناسها وفصائلها وحظوة كل جنس وفصيلة في كل مجتمع، وتحظى بعض الحيوانات بشهرة مطلقة في كل المجتمعات استناداً إلى حاجة الإنسان إليها كالأبقار والدجاج والكلاب والقطط على سبيل المثال، وباختلاف طبيعة الحاجة وطريقة تعبير الإنسان عن تقديره لتلك الحاجة. لكن من أجناس الحيوانات ما يبلغ من الشهرة مبلغاً عظيماً مع أن الإنسان لم يتعامل معه أو يره، وأبرز الأمثلة على ذلك الديناصورات. وقد يحظى حيوان بعينه بشهرة خاصة كالكلب في قصة أهل الكهف – الذين اختلف الناس في عددهم وظلّ كلبهم الحقيقة الثابتة – والكلبة (السوفيتية) لايكا باعتبارها أول حيوان يدور حول الأرض، على بعد ما بين القصتين من الزمان والدلالة.

في سياق مماثل، ضمّ مقال منشور على موقع مجلة “تايم” الأمريكية بتاريخ 21 أبريل 2016 أكثر 100 حيوان تأثيراً لذلك العام اختارتها لجنة مكونة من سبعة خبراء عالميين في دنيا الحيوان. شملت القائمة أسداً إفريقياً أثار ضجة بعد أن قتله طبيب أسنان من ولاية مينيسوتا الأمريكية وصقراً أمريكياً يخص دونالد ترامب وعشرة من الماعز الصيني وفأراً حاول الفرار عبر سلم خلفي بشريحة كاملة من البيتزا وقرداً من فصيلة المكاك يلتقط صورة شخصية لنفسه Selfies وحُوتاً من فصيلة أوركا ووحيد قرن أخير متبقٍّ من فصيلته ومجموعة من فِيَلة سيرك متقاعدة وعدداً من القطط بإعاقات أحبها الناس ودولفيناً صغيراً هلك بعد انتزاعه من المحيط وتمريره لالتقاط صور تذكارية على نمط Selfies بين مجموعة هائلة من المصطافين في الأرجنتين. وقد ضمت القائمة، إضافة إلى عشرات الحيوانات الأخرى، مجموعة من “الشخصيات” الكارتونية ذائعة الصيت في منزلة الفأر ميكي ماوس Mickey Mouse والكلب برايان قريفين Brian Griffin والطيور الغاضبة أنقري بيردس Angry Birds.

الشهرة حظ عظيم، وليس أدلّ على ذلك من مجموعة الحيوانات التي ضمّتها قائمة مجلة “تايم” للعام 2016 على سبيل المثال، إذ لم ينشد أي من تلك الحيوانات الشهرة وإنما ساقه إليها قدر من قبيل ما، وقد رأينا من قبل أن الحيوانات قد تنشد الشهرة في عوالمها الخاصة بما يخفى علينا من الأساليب والذرائع مهما تكن معارفنا لِدُنيا الحيوان قد بلغت من النضج ومهما يكن تقديرنا لمشاعر تلك الكائنات قد بلغ من النبل.

أسرار الشهرة لا ريب أعظم فيما وراء عالم الحيوان من عوالم الكائنات الأخرى، سواء الحية كالنباتات أو تلك التي نظنّها جامدة تماماً. تشتهر فصيلة من النباتات في منطقة وهي مجهولة تماماً في منطقة أخرى ليست بعيدة. وكما رأينا مع الحيوانات، فإن مردّ شهرة النبات هو حاجة الإنسان إليه وارتباطه به، فنحن نقيّم شهرة الآخرين أيّاً كانوا من حيث عمق تأثيرهم علينا. وكما هو الحال مع الحيوانات، وإن بدرجة أقل وضوحاً، تبلغ شجرة ما أو نبتة بعينها شهرة كبيرة بسبب أحداث بارزة وقعت إلى جوارها على سبيل المثال.

للأماكن والبلاد تفاصيل بليغة مع الشهرة، فهي أيضاً تغدو مشهورة بحسب ارتباط الناس بها وتأثيرها عليهم. والشهرة على كل حال تبدو كما لو كانت تحتفظ بأسرارها حتى مع البلاد والمدن والقرى والأحياء والبيوت وأي من المواقع على اختلافها، فالأماكن الأكثر شهرة ليست هي الأكبر أو الأجمل أو حتى الأكثر اعتدالاً بالضرورة، وإنما هي ببساطة تلك التي اتفق الناس على أن عاملاً ما أو بضعة عوامل قد أتيحت لها وأن تلك العوامل جديرة بمنحها الشهرة، علماً بأن مجموعة العوامل نفسها قد تكون متاحة من قبلُ في مكان آخر ولا يعيره الناس اهتماماً من ذات القبيل.

للتواصل مع الكاتب:

[email protected]

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock