تحليل

بين السما والأرض.. 3 أسئلة فلسفية من وحي المصعد

رباب طلعت

يروي الأدب الإسلامي، قصة ثلاثة من عباد الله، قرروا المبيت في الغار، فانحدرت صخرة من الجبل، حجبت عنهم الضوء، ومنعتهم من الخروج، فدعوا الله بصالح أعمالهم لتتزحزح الصخرة وتنكشف الغمة، ويخرج ثلاثتهم بفضل عمل صالح قام به كل منهم، ولم تذكر القصة أن أيا منهم، ملاك أو شيطان، فلا أحد في الحياة هذا أو ذاك، إنما جميعنا بشر، وتلك الفكرة والقصة تحديدًا هي ما تستعيدها الذاكرة في كل حلقة من مسلسل “بين السما والأرض” لمخرجه ماندو العدل ومؤلفه إسلام حافظ، عن قصة الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ.

بين السما والأرض” رؤية نجيب محفوظ التي بُنيت على تساؤل ورد على لسان العالقون في المصعد “هنفضل متشعلقين هنا لامتى؟”، تلقي الضوء على فلسفة ذات بُعد إنساني عميق، وهو التساؤل الأهم “هل يمحو الشر فينا الخير؟ أم ينتصر الخير على الشر؟ هل منا ملائكة أو شياطين أم أن جميعنا بشر يصيب ويخطئ؟ بشر يترنح ما بين السماء والأرض -الخير والشر-“، وعلى الرغم من مرور ما يزيد عن 60 عامًا من تقديم تلك الفلسفة في فيلم سينمائي، إلا أن الثنائي إسلام حافظ وماندو العدل نجحا في إعادة إحياءه بشكل عصري يلائم عام   2021، بشكل يستحق الإشادة، وبعيد كل البعد عن المقارنة بين الفيلم الذي يحمل نفس الاسم، فقد نجحا في العبور من مأزق النسخ والمقارنة مع الفيلم بذكاء بالغ، وكان الجدير بالإشارة إلى أن العمل مأخوذ عن الفكرة فقط لا عن الفيلم نفسه، لاختلاف المعالجة.

نرشح لك: أبرزها عن “بين السما والأرض”.. 17 تصريحًا لـ شيما الشريف

قدر أم صدفة؟

في مصعد معطل في أحد البنايات، بفعل إرهابي يحاول تفجير المبنى وتلفيق التهمة لأستاذ في الفلسفة يهاجم الأفكار المتشددة يدعى “حميد” ويجسده هاني سلامة، يجتمع في المصعد بالصدفة مع مدبرة منزله “كريمة” وتجسدها ندى موسى التي تحبه ولكنه أخرجها من منزله لتعمل في منزل صديقه إرضاءً لزوجته، وعلى الجانب الآخر معه “رفعت الدمنهوري” -محمد لطفي- وسيط الجماعة الإرهابية الذي من المفترض أن يهدده بالسلاح قبل خروجه من المصعد ليجبره على تصوير فيديو يتبى فيه كذبًا علاقته بالتفجير الذي سيحدث وكان من المخطط أن يتركوه يموت هو أيضًا فيه، وهناك الشيخ عوض ذو الصوت العذب -محمود الليثي- الذي خرج من السجن وقرر الانتقام من طليقته “رقية” التي زجت به فيه بتلفيق تهمة له لتنجح في الطلاق منه وتتزوج المنتج السينمائي الذي حولها إلى النجمة “ريهام صدقي” -نجلاء بدر- ومعهما الفنانة الكبيرة “فاتن سرور” -سوسن بدر- التي دمرتها “صدقي” لتأخذ مكانها، وقررت إذلالها بعرض العمل معها في نفس العمل بدور هامشي، وهناك أيضًا “سامي زكريا” -عمرو صالح- ومعه “مرام” -يسرا اللوزي- التي ترافقه إلى شقته بنية عقابة على تصويره الفتيات وابتزازهن وانتحار صديقتها، وصدفة يرافقهم “جلال أبو الوفا” -محمد ثروت- المهندس الشاب صاحب المشروع المتميز الذي سرقه والد “سامي” رجل الأعمال الشهير، وأدخله مستشفى الأمراض العقلية وتسبب في أن يصاب بالجنون، وأيضًا “العم شاكر” صاحب المكتبة الغارق في حب الكتب -أحمد بدير- ، و”سارة” مريضة القلب الحامل في شهرها الأخير -نورهان-، وانضم لهم “محمود” وليدها التي وضعته في المصعد أثناء تعطله.

تبدأ الأحداث ولا يعرف المشاهد ما علاقة كل من تلك الشخصيات بالآخر، كل ينظر إلى غريمه، وينتظر الوصول خارج المصعد لينقض كل منهم على فريسته، ولا أحد يعلم هل اجتماعهم “صدفة؟ أم قدر؟”، حتى بعد انكشاف قصة كل منهم، لا أحد يعلم هل تعطُل المصعد بهم مصادفة أم أنه القدر الإلهي لكي يصل كل منهم للحظة المكاشفة في الحلقة الـ14.

الصدفة أو القدر هنا لا تكمن في دخول كل منهم المصعد فقط مع الآخر، بل جمعت الصدفة بين بعض الأبطال في الماضي أيضًا مثلما حدث في مشهد وجود “سارة” في أحد المقاهي لترى زوجها وهو يتعرف على زوجة ثانية رشحتها له أمه لكي يتزوجها وينجب منها، وبجواره كان الدكتور حميد على طاولة أخرى، وهناك كانت الفنانة فاتن سرور.

تلك المصادفات التي برع سيناريو إسلام حافظ في كتابتها، وأخرجها ماندو العدل بمهارة طرحت طوال العمل سؤالًا هامًا “هل كل ما يحدث في حياتنا من صنع الصدفة أم هو القدر؟ هل كل ما نمر به صدفة أم أنه يلعب دورًا في مستقبلنا لا نعلمه؟”، وبالطبع هي الإجابة الثانية.

ملائكة أم شياطين؟

ذلك هو السؤال الأهم، ففي المصعد ذلك الذي من الممكن أن نعتبره إسقاطًا على الحياة.. نحن البشر في رحلتنا ما بين السماء والأرض، وصفاتنا ما بين ملائكية السماء وشيطنة الأرض، فلا أحد في المصعد يحمل تلك الصفة أو الأخرى، الجميع مخطئون، ولكن الجميع بداخلهم خير كبير، حتى بطل العمل هاني سلامة “الدكتور حميد”، الذي حاول تمثيل دور المثالية طوال العمل، اعترف بعكس ذلك بعد وفاة “العم شاكر” في الحلقة 14، حلقة المكاشفة بين العالقين في المصعد، ليؤكد أنه ألحد وأخطأ ولكنه عاد وحاول تصويب سلوكه، وأمامه كانت “كريمة” الطيبة التي تحملت الكثير من أجل حبه، واعترافها بمحاولاتها لإفساد علاقته بزوجته وتدمير حياتها وتعاونها مع كارهيه، و”ريهام صدقي” الممثلة على الرغم من شرها الشديد الذي دفعها لتدمير مستقبل زوجها ونجمتها المفضلة، إلا أنها وقت المصارحة كشفت عن بريق خير في قلبها، و”سارة” الوديعة لم تعد كذلك بعد اعترافها بقتل جنين ضرتها غيرة منها، أما رفعت الدمنهوري مسجل خطر، إلا أنه حاول كثيرًا التوبة وعدم ممارسة جرائمه مرة أخرى إلا أنه يضعف أمام المال، ومع تواجده في المصعد لقتل “حميد” إلا أنه رجل ذو أخلاق لم يرضَ بمحاولة “سامي” ضرب “جلال”، وأجبره على عدم النظر لـ”سارة” أثناء ولادتها، وكل البقية كذلك، كل منهم إنسان، يحمل الشر والخير.

لعبة الموت والحياة.. هل ينجو أحد؟

في مثل تلك المواقف -ما بين الحياة والموت- أو -ما بين السما والأرض- التفسير الآخر لاسم العمل، غالبًا ما يسلط صناع السينما العالمية الضوء على انعكاسات النفس البشرية، والكثير من الأعمال التي ناقشت تلك الحرب للنجاة من هلاك محتم، كانت دائمًا ما تتناولها بمبدأ “جلال” عندما قال لهم “هنفضل عايشين لحد ما نعطش ونشرب من دم بعض”، تلك هي النظرة الواقعية، ففي لعبة الحياة والموت يبحث كل من في السفينة على نجاته، ولكن هنا كان الوضع مختلفًا، فعلى الرغم من أن كل من في المصعد كان مقدرًا له الموت (سارة مريضة القلب أثناء الولادة – حميد على يد الإرهابيين – سامي على يد مرام- رقية على يد عوض – والجميع في التفجير الإرهابي) إلا أن الجميع تكاتف في المصعد لمنح “محمود” طفل “سارة” الحياة له ولوالدته، وكإن كل منهم يعطي لنفسه الأمل من خلاله وذلك تجسد في جملة الدكتور حميد: “إن شاء الله هنطلع من هنا زايدين واحد”، الفرحة العارمة التي شملت الجميع في غنائهم له وعمل “سبوع” له كانت أكبر دليل على تمسكهم جميعًا بذلك، ولكن ذلك الأمل تبدد لديهم جميعًا بوفاة “العم شاكر” ما دفعهم جميعًا للاعتراف بذنب كل منهم في محاولة خفية منهم لطلب السماح من الآخر، أو في محاولة منهم في التوسل إلى الله على طريقة “رجال الغار” في الأثر الإسلامي، لعل الله يسمع توسلهم، ويكتب لهم النجاة.

الأحداث كانت على عكس المعتاد في تناول مثل تلك الحالات في الدراما فلم يبحث كل منهم عن نجاته منفردًا بل كان نجاة الكل نجاة للفرد، وهلاك أحدهم هلاك للجميع، ولكن هل كان سيصمد كل منهم على ذلك إذا ما زادت ساعات انتظارهم داخل المصعد أم سيفعلون كما قال “جلال” ويحاولون النجاة على طريقة السينما اﻷمريكية بقضاء كل منهم على الآخر؟

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock