تحليل

بعد المشاهدة| “the crown”.. خبايا صادمة في القصر البريطاني!

ياسمين العيساوي

لم أتفاجأ من عظمة الإنتاج الضخم للجزء الرابع من مسلسل the crown، الذي عرضته شبكة Netflix مؤخرا، فهو لم يكن أقل قوة من الأجزاء الثلاثة السابقة. ومن الواضح كذلك أن صناعة الفن في بريطانيا قررت أن تكتسح بدل المنافسة، ويبدو أنها قادرة على ذلك بجدارة، وقد تسحب البساط من الصناعة الأمريكية، بفضل المحتوى المميز، شكلا ومضمونا.

وبعيدا عن الحيثيات الفنية، أردت أن أتطرق للحديث عن العمل من جانب مختلف تماما، وأبدي إعجابي أولاً بحرية التعبير التي مُنِحت لصناع العمل، لكي يزيحوا الستار عن أسرار القصر البريطاني بهذا الشكل الواضح لدرجة الصدمة، ثم براعة الممثلين في آداء الأدوار وتقمصها بشكل احترافي مبهر، وصولا إلى تلك التفاصيل التي ملأت العمل، ودفعت كل من شاهده إلى طرح أسئلة سياسية، وتاريخية وإنسانية مهمة.

 

نرشح لك 7 أعمال مختلفة عن المرأة على “نتفليكس”

 

الوجه الآخر للعائلة

أكثر ما يثير الانتباه في قصّة كل فرد من أفراد العائلة الملكية البريطانية، أنهم يملكون جانبا مظلما في حياتهم، غير مسؤولين عنه وغير قادرين على تغييره، والمثير للدهشة أنك كمشاهد لن تنجح في الحكم على أي شخص منهم، ولا يمكنك تقييمهم هل هم جناة أم مجني عليهم؟ ولا أعلم هل هذه براعة من المخرج وكاتب السيناريو، أم هي الحقيقة فعلا!

بداية بالملكة إليزابيث التي تبدو قاسية في ردود أفعالها واتجاه ابنائها، إلا أنها تملك جانبا خفيا حساسا، نزعته منها السلطة المبكرة التي لم تكن مستعدة لها بالشكل الكافي، ولم تسعى لها يوما، ويبدو واضحا أنها ضحية مكانة مرموقة سلبتها أكثر مما أعطتها.

أما ولي عهدها الأمير تشارلز، فقبل أن يصبح جلادا ومعذباً للأميرة ديانا، فهو ضحية تربية قاسية، وقوانين مضنية، وبروتوكول قاتل، أنشأ شخصا بارد المشاعر، عديم المسؤولية، يبحث عن حنان الأم أكثر من حب الزوجة، مما جعله متشبثا بحبيبته كاميلا لآخر رمق، ولم يلتفت يوماً إلى ديانا!

كذلك الأميرة مارجريت، شقيقة الملكة، والأميرة آن ابنتها، وكل من تجمعه صلة بالعائلة الملكية البريطانية، مصاب بلعنة التعاسة. بؤس يحتضن كل فرد في هذه المنظومة، يجبره على الخضوع والتنازل على أبسط حقوقه، في اختيار ما يناسبه أو البحث عن سعادته بالشكل الصحيح.. فالكل موضوع في صناديق كريستال مرسومة بالذهب، صالحة للفرجة غير قابلة للاستخدام.

أميرة التعاسة

أما الأميرة ديانا فهي حتما تحتاج إلى مقالات وكتب للحديث عن حياتها القصيرة التعيسة، وعن الوجه المظلم لحياة تلك الفاتنة، التي نجحت في خطف قلوب العالم وأخفقت في لفت نظر زوجها ذو التطلعات البسيطة، والشخصية المهزوزة.. المعنى الحقيقي لسخرية القدر، ولعنة الجمال والشهرة.

وقد عرض العمل مجموعة من المشاهد الموجعة حقا، التي تدفع أي شخص لإعادة النظر فيما حوله بشكل أكثر نضجا، بل وإعادة تقييم كامل لمعنى السعادة، والحكم على الأشخاص من مظاهرهم، فهذا العمل صالح فعلا لكي يكون مرجع مهم لكل شخص يريد تقييم الحياة بالشكل الصحيح.

الحديث يطول جدا عن التفاصيل الذي أشار إليها the crown، بواقعية مؤلمة تجعلك تتأثر، وتقف حائرا أمام هذا العالم الجميل من الظاهر والمهشم داخليا. كما أنه سلط الضوء على أمور سياسية مهمة، أبرزها مسيرة رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر الملقبة بالمرأة الحديدية، التي بدورها واجهت كل أنواع الضغوطات والتحديات سواء من القصر أو من المجتمع الذكوري.

والحقيقة.. فالعمل لا تكفيه سطور قليلة للحديث عما يحمله من رسائل واقعية ملهمة، وعن نفسي وجدته يحمل بين حلقاته حكمة الحياة التي يحتاجها الأشخاص من أجل الاستمرار برضى كامل، مدركين وموقنين أن السعادة لم تكن يوما مالاً ولا جاهاً ولا سلطة، ولم ترتبط بامتلاك الأشياء ولكنها مرتبطة أكثر بامتلاك حرية القرار والاختيار، والرضى والاستمتاع بالتفاصيل البسيطة.

ياسمين العيساوي

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock