المكتبة

أسامة علام يكتب: 3 مشاهد في حضرة محمد المنسي قنديل

كنا أنا وهو نقف على قمة جبل مونت رويال. هناك فى تلك البقعة الكاشفة للمدينة كلها. أحاول أن أحتفظ فى الذاكرة بكل التفاصيل الدقيقة. جبل تفترشه الأشجار حتى المنحدر. وخريف يلهو بفرشته على أوراق الشجر. فيكسوها بالأصفر والأحمر والأخضر. وهو بوجهه الطيب. يستمع إلي وأنا أحكى له حكايتي الطويلة مع السفر. يبتسم كما اعتاد دوما. محمد المنسى قنديل الذى لا يكف عن ابتداع الدهشة دائما فى كل مقابلة بيننا. تسحرنا مونتريال البديعة النائمة على بحور من أحلام المهاجرين عبر أجيال. وجهه منحوت بالصبر والشقاء ككل أبناء المصريين البسطاء. ينظر إلى المدى. فأعلم أنني معه فى حضرة صمته المقدس. لكن النسيم البارد يعيد علي ترديد مشاهد ثلاثة. مشاهد سمعتها منه مرة من وسط دموعه ومرات بلا حكى سوى الوجد الذى تعلمت أن أحبه فى حضرته.

المشهد الأول: غزل وأب وحكايات لا تنتهى

القاعة الكبيرة في البيت القديم بالمحلة. عمي المنسي أصبح أكثر رقة وضعفا مع سنوات عمره الطويل. يده تتحرك بضعف وثبات على النول الكبير. نفس القاعة التي كانت تعج يوما بعشرات الصنايعية الذين خطفهم منها مصنع الغزل والنسيج.

نرشح لك: طارق إمام يكتب: “كتيبة سوداء”.. ملحمة سردية لـ سيرةُ أجسادٍ مظلمة

كبر محمد الصغير وهو يشاهد الخيوط الصماء تتجمع تحت هوس الأيادي المسحورة بالفن والجمال. بصبر وصبر وصبر ومحبة. عندما كان المنسى الأب المعلم يمسك بالأيادي فيهديها سر الصنعة.

كان هذا من زمن. والآن تخلى الزمان عن الأسرة فى نوبة من نوبات تقلبه. فيسند محمد ظهره إلى الجدار بجوار المنسي الكبير. أصبح هو أيضا كبيرا ليصبح طالبا فى كلية الطب. يقول له المعلم منسي أحكي يا محمد لعلنا نمرر الوقت بالحكايات. والابن المحب يتابع اليدين العجوزتين ويبدأ في الحكي. يفتح قلبه بقصص المغامرات والأساطير. فيطرب الأب وتتحرك اليدين بفرح ومحبة أكثر للحياة.

يستحضر الابن كل ذكرياته مع الكتب. بهجة متبادلة بين الأب وابنه وكأنها عزف على وتر المحبة. تتسارع الأحداث أكثر لأجدنى في حضرة الدكتور محمد المنسى قنديل، في المقهى الذي اعتدنا أن نتقابل فيه. يقرأ علينا قصة قديمة له. في القصة كبر الولد أكثر. سافر وعاد ليجدهم يملأون البيت الذى ضاق بهم. عشرات الجواري والمماليك وأبطال الروايات. وجوههم تنظر أرضا والحزن يملأ المكان. وببطئ يخرج الجسد النحيف إلى عالم الموتى الأبدي. يبكى يومها محمد المنسى ويبكينا. تماما كما بكى فى حضنه كل أبطال الحكايات التى صاحبت عم المنسى وابنه. محمد الذي سيكبر يوما ويتعلم أن الحكى طريقته الوحيدة للمؤانسة.

المشهد الثاني: حفيدة أحدهم تبعث لك السلام وبعض من الحكاية

يخبرنى الدكتور محمد فور عودته من الرحلة بأن المكسيك بلد جميل جدا. كان قد سافر إليها ليتتبع أثر كتيبته السوداء. يقول لي أنها بلاد شمسها تدفئ القلب. يخبرني بأنهم شعب يحب الحياة والرقص والمانجو. الجميع يتلامس بود الأصدقاء. تفتح النساء قلوبها بلا خوف من غدر أو إساءة فهم. يبتسم لك رجالها ويدعونك لأول حانة بلا بحث عن تاريخ مشترك. ووسط كلامه يتوقف وكأنه تذكر شيئا ما. يصمت قليلا قبل أن ينظر مباشرة في عيوني. يتنهد. فأعلم بأني في انتظار حكاية مدهشة.

نرشح لك: أنا عشقت.. مصر الجميلة النائمة تنتظر فارسًا من غبار

قابلتها هناك يا أسامة. كنت أسير مرتبكا باحثا عن موقف الحافلة. تدوخني اللغة الإسبانية بلكنتها الراقصة. بينما أحاول بإنجليزيتي أن أجد من يفهمني. فجأة وجدتها أمامي. ملامحها العربية تشي بأن دمها يحمل بقايا الحكاية. وكما تخيلت لم تخذلني الشابة الجميلة. ومباشرة حكيت لها عن حيرتي. لتضحك وتقول أن جدها عربي. في كلامها رائحة الهيل والعنبر. عيونها يا فتى عيون المها التي سحرتني في الصحاري التى زرتها. تحكي لي عن أسرتها فأشاهد جدها العجوز يمشى معنا عبر طرقات المدينة القديمة. هناك في عينيها دمعة حنين لبلاد تحبها ولا تعرفها سوى عبر حكايات الاشتياق. أخذتنى إلى المقبرة القديمة وأجلستنى أمام شواهد القبور الصامتة. وسواء صدقتني أم لم تفعل. خرجوا جميعا ليحكوا لي حكايتهم. حكاية شبيهة بتلك التي تعيشها اليوم فى بلاد هجرتك الجديدة ولو اختلف الزمن. حكاية سوف تحكيها يوما لأحفادك. ربما يأتى كاتب مثلي كي يخبر العالم بها. كي تصبح الأرواح التي سافرت إلى الموت أكثر تحققا بإنسانيتها وحلمها ولو على الورق.

ابتسم وأقول له: “ولماذا كل هذه المشقة يا سيدي؟”. فيرد: “كان علي السفر لاستمع لهم. الكتابة سيدة عنيدة لا تفتح قلبها إلا لمن يسعى خلفها. حتى ولو سافر إلى المكسيك”.

المشهد الأخير: أنا وهو وأسئلتى عن المحبة والحياة

غيرتنى كثيرا صحبة الدكتور محمد المنسي قنديل. عندما عرفته كنت أكثر شبابا أبحث عن شيء لا أعرفه تحديدا من وراء الكتابة. ربما الشهرة أو الاعتراف أو حتى الجوائز. كاتب شاب يصاحب مصادفة كاتب عبقرى في مدينة لا يعرفه فيها أحد. ومع الأيام تعلمت. شاهدت الرجل الكبير تطول قامته بكثرة وده. يهرب من الأضواء لأن ظل العزلة أكثر براحا ومحبة. وعندما شاهدته مرة يمشي وحيدا فى مونتريال. يعبر الشارع الخالي إلى مكتبة الحي بفرح. عرفت أن وحدته تنتهى فى صحبة الكتب.

غيرتنى كثيرا صحبة المنسي قنديل. هذا الذي ما زال يندهش لنجاح كتاب جديد له رغم أنه من أكثر أبناء ثقافتنا إتقانا للحرفة. وتعلمت معه أن المجاهرة باتساع المعرفة ذنب وجريمة. وأن المحبة فعل لن تصل لنشوته سوى بكثرة ارتياده. وأن أعمار البشر تطول بكثرة الأصدقاء. وأن الشهرة مطية المرتحل وليست جوهر الرحلة ومبتغاها. و أن في الإخلاص للكتابة نبل لا يناله إلا الشرفاء. وأن مسامحة النفس من شيم الرجال الكوامل. 

غيرتنى كثيرا صحبة الدكتور محمد المنسى قنديل. وعلمت قلبي أن المحبة جوهر الحياة. فأحببت العالم بلا شروط أو حدود كما أحبه. وأيقنت بأن آدم من طين وحكايات.

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock