"المعضلة الاجتماعية".. هل خرجت السوشيال ميديا عن السيطرة؟

رباب طلعت 

“لا شيء كبير يدخل حياة البشر بدون لعنة”، بتلك الكلمات بدأ فيلم “The Social Dilemma”، أحدث إنتاجات شبكة “نتفليكس” الوثائقية، والذي حصل على تقييم 8.1 من 10 على موقع imdb، بعد مرور يومين فقط من عرضه، وأثار جدلًا واسعًا أو كتعبير أدق “صدمة كبيرة”، في أمريكا والعالم كله، بسبب الحقائق المؤلمة عن تحكم أنظمة الذكاء الاصطناعي لمواقع السوشيال ميديا والخدمات العالمية الكبرى على عقول وإدراك وتوجهات مستخدميها، الذين وصلت أعدادهم لما يزيد عن 3.5 مليار شخص حول العالم حسب الإحصاءات الأخيرة.

نرشح لك – The social Dilemma.. نتفليكس تتهم فيسبوك بإشعال الحرب الأهلية.. وتقترح الحلول

سلط المصور والمخرج جيف أورلوفسكي، الذي تهتم كافة أعماله بشكل وثيق بالمشاكل البيئية التي تواجه البشرية، من خلال “المعضلة الاجتماعية” الضوء على أحدث وأقوى أنواع السلطة والتحكم في العالم بأسره من قبل أجهزة الذكاء الاصطناعي التابعة لكبرى شركات الإنترنت التي خلقت سوقًا جديدًا بضاعته “اهتمامات البشر”، حيث كشف مجموعة من صناع المعضلة “عن غير قصد” بحسب وصفهم، كيف خرجت الأمور عن سيطرتهم؟ وما هي المشكلة؟ 

“حين ننظر حولنا نظن أن العالم يجن.. هل هذا طبيعي؟ أم أننا تحت تأثير تعويذة ما؟”

السؤال الأساسي الذي ألقاه “أورلوفسكي” على ضيوفه من مصممي أخلاقيات، ومبرمجي، ومسؤولي تسويق وإنتاج، وغيرها من التخصصات الذين عملوا في شركات الإنترنت الكبرى (فيس بوك، تويتر، إنستجرام، أمازون، جوجل، أوبر، وغيرهم) واستقالوا منها بعدما أحسوا بأن الوحش الذي صنعوه خرج عن السيطرة، حول “التعويذة” التي ألقتها تلك الشركات على مستخدميها، وهو ما يمكن رصده فيما يلي:

هل كل منا يستخدم السوشيال ميديا بحسب رغبته أم أنها هي من تقود رغباتنا؟ 

قال تريستان هاريس، المحاضر الشهير والمؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية، البطل الأساسي والأكثر ظهورًا في الفيلم، وأحد العاملين السابقين في جوجل، إنه لا أحد يتخيل أن 20 أو 30 موظفًا على الأكثر في شركة ما يتحكمون في قرارات ما يزيد عن 2 مليار إنسان، يظن خطأً كل منهم أنه يستخدم خدمة ما لصالحه ووفقًا لرغبته، حيث إنه على سبيل المثال، كل منهم يستخدم نظام الإشعارات كما هو ويتجاوب معها لأن أحد مصممي النظام الذي يستخدمه قرر أن تكون إشعاراته بهذا الشكل.

تلك الإجابة، جسدها الفيلم بالإشارة للتوائم الثلاث الذين وضعهم المخرج على أنهم نظام الذكاء الاصطناعي الذي يستقطب اهتمام المستخدم -بطل العمل الشاب- والذين يحللون كل نقرة وكل نشاط له عبر حسابه على “فيس بوك”، ويأخذون القرار بما يظهر له وفي أي وقت، حتى إنه لم يستطع الوفاء بوعده لوالدته لترك الهاتف لمدة أسبوع في مقابل إصلاح شاشته المكسورة، لأن “الذكاء الاصطناعي” للنظام قرر إرسال إشعار له بأن حبيبته السابقة ارتبطت بشخص آخر! لذا قرر فتح حسابه وتتحول لحظة انكسار قلبه من الخبر للحظة انتصار كبيرة للنظام، الذي يريد فقط جني الأرباح بغض النظر عن أي شيء، ولكن ما المنتج المربح؟

إن لم تكن تدفع سعر المنتج فأنت المنتج

كشف تيم كيندال، المدير التنفيذي لـ”مومنت”، والمدير التنفيذي السابق لـ”فيس بوك”، ومدير “بينتريست” السابق، إنه في عام 2006 كانوا في “فيس بوك” شديدي التأثير بتجربة “جوجل” الملهمة، حيث كانوا قد صنعوا عالمًا مثاليًا، فمع كل الخير “الخدمات” التي تقدمها الشركة لمستخدميها استطاعت تحقيق أرباح ضخمة للغاية، وكان وقتها “مدير الدخل” بالشركة، فكان دائمًا السؤال الموجه له “كيف ستدر الأموال عليها”، وبالطبع كانت الإجابة المنطقية “الإعلانات”، مضيفًا أن للإجابة على سؤال “ما هو المنتج؟” لا بد من الإجابة على “كم تأخذ تلك المواقع من عمرك؟”.

 

من جانبه أجاب جوستين روزنشتاين، مخترع زر الإعجاب في “فيس بوك”، على “ما هو المنتج؟” قائلًا: “أي خدمة مجانية أو نظن أنها مجانية على الإنترنت يدفع ثمنها المعلن مقابل جذب اهتمامنا”.

أما الكاتب الأمريكي جارون لانييه، أجاب أن القاعدة تقول “إن التغيير البسيط غير المحسوس في سلوككم وإدراككم هو المنتج”، مؤكدًا أن لا شيء أعظم من أن يدفع المعلن مليونًا مقابل تغيير العالم كله، باستخدام “تلك التكنولوجيا”.

وتؤكد على ذلك الكاتبة الأمريكية شوشانا زوبوف، أستاذة الإدارة في جامعة هارفرد، بقولها إن أي عمل حلمه هو أن “يبيع الإعلانات” وذلك مقياس النجاح لأي مؤسسة، والسوشيال ميديا نجحت في “بيع اليقين” للمستخدمين، ومن أجل الوصول لذلك الهدف، يجب أن يكون لديهم مجموعة كبيرة من البيانات عن المستخدمين، وهو ما يسمى بـ”رأسمالية المراقبة” والتي أصبحت شركات الإنترنت تتبعها، حيث صنعوا سوق جديدة تتاجر في “مستقبل البشر” لم تكن موجودة من قبل، ونجحت من خلالها في جني أرباح طائلة وصلت إلى تريليونات الدولارات، فأصبحت الأغنى في تاريخ البشرية.

كل شيء يراقب يسجل يحصى 

تلك المقولة أكد عليها جيف سيبرت، المدير التنفيذي السابق لـ”تويتر”، مؤكدًا على حديث “شوشانا” عن جمع البيانات من أجل التربح، ليس كما يظن الكثيرون بأن منصات السوشيال ميديا تبيعها للمعلنين، ولكن لتحليلها ورفع كفاءة خوارزمياتها التي تدقق في كل ما تخزنه وتبني من خلاله نموذج لكل مستخدم، مسجل فيه كل نقرة وحركة وزمن الوقوف على كل منشور أو صورة، لمعرفة أدق التفاصيل التي لا يعرفها هو عن نفسه.

“هل فيس بوك تبيع بيانات مستخدميها؟” أكد تيم كيندال، أن ذلك ليس من مصلحتها إطلاقًا حيث إن الأمر كله يدور حول بناء نماذج توقعات تستطيع من خلال نشاطه عليها معرفة من مكتئب ومن يشعر بالوحدة وغيرها من الأمور، حيث إن كل نقرة تغذي الأنظمة التي لا يكاد بها أي تدخل بشري، وتستطيع منح توقعات عنا أكثر منا، بالتالي تتمكن الخوارزميات من تحديد ما يجب أن يظهر لك، لضمان استمرار تصفحك، حيث إن كل مرة تمسك فيها هاتفك تعلم أن هناك جديد قد يهمك، بالتالي زيادة عدد الإعلانات التي تظهر لك، ومكسب أكبر.

هل نحن فئران تجارب؟ 

يجيب المختصون في الفيلم بـ”نعم”، فـ”تيم كيندال” يؤكد على إن “فيس بوك” أجرت اختبارات تسمى “تجارب العدوى واسعة النطاق”، على المستخدمين، لمعرفة ما يثير اهتماماتهم بشكل أكبر، من خلال وضع منشورات من الممكن أن تثير اهتمام المستخدم، وعندما ينقر على أحدها يعلم النظام أنه نجح في جذب انتباهه بالتالي يحاول مرات عدة إلى أن يصل لتوقع كامل بما سيجذب اهتمامه، وذلك ليس لفائدة المستخدمين أبدًا، بل لصالح المعلنين، حيث إن ما تريد تلك الأنظمة الوصول إليه هو نوعية وتوقيت الإعلانات التي يظهرها لك.

“تريشمان” الذي كان أحد القائمين على تلك الفكرة، يؤكد أن هناك فرق كاملة في الشركات الكبرى لاختراق سيكولوجية المستخدمين، عن طريق ما يسمى بـ”تكنولوجيا الإقناع” تلك التي تجعلهم يعرفون طريقة النجاح في إجبار المستخدم على زيادة التمرير لمشاهدة مزيد من المنشورات، أي قضاء وقت أطول، لخدمة الإعلانات، وذلك يعني أننا تحولنا من “بيئة تكنولوجية قائمة على الأدوات لبيئة قائمة على التلاعب بنا”، وذلك ما وصفه “لانييه” بأننا أنشأنا جيلًا تربى على التلاعب والخداع، لأننا خلقنا عالم جعل أي تواصل بين اثنين بينهما طرف ثالث.

التعويذة.. إلى ماذا وصلت؟

“إن أي تقنية متقدمة للغاية لا يمكن تمييزها عن السحر”، بتلك العبارة انتقل الفيلم إلى جزء آخر من تناول “المعضلة”، وهنا يشير أحد المشاركين في العمل إلى سبب نجاح السوشيال ميديا في جذب البشر وإدمانهم عليها، قائلًا إن الطبيعة البشرية خُلقت على طبيعة بيولوجية تميل إلى التواصل والمشاركة، فكان من الطبيعي انجذابهم للسوشيال ميديا لأنها قائمة على ذلك المبدأ، ولكن هل تلك هي المشكلة؟ يجيب صناع “بالطبع لا”، فإن المشكلة ليست مجرد فكرة الإدمان، إنما ما وصلت له أنظمة الذكاء الاصطناعي من التحكم في العقل الجمعي.

يبدأ الأمر بنجاح مواقع التواصل الاجتماعي في إطلاق فكرة “الإيموجي”، والتعليقات ذو التأثير الكبير على المستخدمين وبشكل أخص المراهقين، فمع التفاعل على كل صورة تزيد الحاجة لتفاعل آخر بعده، ما يعني زيادة استخدام المنصات، أي زيادة في الإعلانات، دون النظر في التأثير السلبي للتعليقات أو التفاعلات عليهم، وهو ما جسده الفيلم بانهيار الابنة الصغرى للأسرة بسبب تعليق سلبي على حجم أذنها، مقابل العديد من التعليقات الكثيرة الإيجابية عن مدى جمالها الذي يشوبه شيء من التزييف حيث استخدمت أحد الفلاتر لتظهر بشكل أجمل على “سناب شات”، وهي متلازمة “سناب شات” التي تصيب المراهقات بأن يطمحن لمقاييس جمال غير طبيعية.

ذلك يضع المراهقين تحت سطوة الاكتئاب الذي يصل إلى إلحاق الأذى بنفسهم، حيث أشار العمل لدراسات أكدت أنه منذ عام 2011 – 2013 دخلت 100 ألف فتاة المستشفى لتلقي العلاج النفسي بسبب إيذائهم لنفسهم في أمريكا، إلا أن تلك النسبة زادت بنسبة 62% عام 2016 بين المراهقات الكبيرات و189% بين المراهقات الصغيرات، وكذلك زادت نسبة الانتحار إلى 90% للكبيرات، و151% للصغيرات، وذلك يشير إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي أتيحت منذ عام 2000 تقريبًا، أي أن الأجيال التي ولدت بعد عام 1996 هم أول أجيال تستخدمها خلال المدرسة الإعدادية، وتلك الإحصائيات تؤكد أنهم جيل هش وانطوائي يخاف من المغامرة، والدليل على ذلك قلة عدد طلبات حصولهم على رخص القيادة، وخروجهم في مواعيد أو حفلات وتجمعات كبيرة.

“إذا أردتم السيطرة على بلدكم فلا شيء أنجح من فيس بوك”، بتلك العبارة يستطرد الفيلم استعراض التأثير االكبير للسوشيال ميديا على مستخدميها، حيث وصلت إلى مرحلة “السلطة”، فالمعلنين هم من يتحكمون في ما يشاهده ويفضله المستخدم، بناء على ما يظهر له، وهو ما ازداد سوءًا في محاولات البعض للتدخل في خيارات الناس السياسية، حيث وجهت اتهامات لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 باستغلال “فيس بوك”، وذلك ما أوضحه المختصون في الفيلم بأنه من الممكن أن يحدث ذلك ببساطة، من خلال تمرير أفكار بعينها للمستخدم، على سبيل المثال إطلاق مجموعة من 100 شخص مؤمنون بأن الأرض مسطحة، ويميلون لنظريات المؤامرة، ومع نظام التوصيات على “فيس بوك” ستظهر المجموعة لآلاف آخرين مهتمين بنفس الفكرة، وكل منهم يدعو آخر إلى أن يصدق ملايين أن الأرض مسطحة! 

“إن لم نكن قادرين على معرفة ما هو حقيقي فنحن هالكون”، تلك المقولة استند إليها تريستان هاريس، للتأكيد على أن بتلك الطريقة المذكورة، يمكن تزييف الكثير من الأخبار، وهو ما تسبب في هجوم عصابات السوشيال ميديا على أبرياء دون أدلة، لمجرد أنهم صدقوا منشورًا كاذبًا عبر “فيس بوك”، كذلك اتخاذ مواقف معادية من الحكومات تصل لاحتجاجات عنيفة وأعمال شغب في أرقى الدول الأوروبية، بسبب تصديق آلاف منشورات لا صحة لها، مما يتسبب في فوضى عارمة وجنون كلي في بقاع الأرض، مشيرًا إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر عبر السوشيال ميديا 6 مرات أكثر من الحقيقية، لأن إلى الآن لا توجد وسيلة حاسمة للتأكد من صدق الخبر المنشور من عدمه، بالإضافة إلى أن الأخبار المزيفة تجلب تفاعلا أكبر ما يعني مزيدا من المعلنين والأرباح، وذلك يصب في مصلحة تلك الشركات.

الأمر مربك لأنه مثالي ومرير في نفس الوقت

تلك المقولة التي اختتم بها تيم كيندال حديثه، اتفق عليها باقي فريق العمل، على الرغم من إشارتهم إلى السيطرة التامة على خوارزميات التحكم في أنظمة منصات مواقع التواصل الاجتماعي، على البشرية كافة، سواء في القرارات أو الأفكار أو المشاعر، بالإضافة إلى قولهم بأن الأمر بات أشبه بأن صانعيها خلقوا الآلة ولكنها طورت من نفسها أكثر مما تطور العقل البشري نفسه، لتخرج عن السيطرة، وتفوق قدرات العقل البشري، وذلك بما دعوا إليه وهو السيطرة على أوقات متابعة تلك المنصات وعدم النقر على أي شيء ترشحه لنا تلك المواقع، بالإضافة إلى عقد جلسات حوارية من قبل المختصين وأصحاب تلك الشركات للوصول إلى حل يرضي كافة الأطراف.