تحليل

هل أحرق الإخوان المسلمون القاهرة؟ وثائقي dmc يطرح السؤال

فاطمة خير

“أحدهم داخل هذهِ المدينة أو خارجها، رسم خطةً للمزج بين السياسة والنار”.. كلمات توحي بأكثر مما يبدو ظاهرا، وأصابع تشير إلى مجرمٍ قد لا يكون خفيا قدر ما يبدو للوهلةِ الأولى.

نرشح لك: انتقادات المحتوى تهدد انتشار نتفليكس في الوطن العربي

 

بهذهِ الكلمات، و بسردٍ وثائقيٍ سلس، يبدأ فيلم “حريق القاهرة” أحدث إنتاج إدارة الوثائقيات في “المتحدة للخدمات الإعلامية”، الفيلم عرضته قناة dmc العامة، في يوم 23 يوليو.. ذكرى الثورة العظيمة، فجاء كطريقة مميزة للاحتفاء بما قدمته هذهِ الثورة إلى شعب مصر بعد أن خلصته ممن تسببوا في إحراق عاصمته القاهرة.

بصمات الإخوان كانت واضحة، وذائقتهم فيما يخص الأماكن التي تم تخريبها، كانت هذهِ شهادات من استعان بهم الفيلم، السينمات والملاهي الليلية ومحلات الأجانب، كانت أول وأكثر ضحايا الحريق، 500 مكان تم حرقه! الآلاف فقدوا وظائفهم، مجموعات تتحرك بنظام لوضع علامات على الأماكن المستهدفة، ثم تأتي مجموعات أُخرى لتقوم بحرقها، مواد حارقة وأدوات لا توجد بكثرة إلا لدى قوات الاحتلال الإنجليزي، وتواطؤ واضح من جانب ملك أراد إحراج حكومة وفدية تحظى بدعمٍ شعبي، والتخلص منها دون اللجوء لجيشٍ لا يدين ضباطه الشباب بالولاء للملك، الذي اختار الاحتفال بسبوع ابنه ولي العهد تاركا القاهرة عاصمة ملكه تحترق، وهو “يحتجز” قادة الشرطة في حفل السبوع، بدعوة ظاهرها الاحتفال وباطنها إلهائهم عن التواجد في مواقع اتخاذ القرار وقت ارتكاب جريمة حرق القاهرة.

كل ذلك حدث نهار يوم 26 يناير عام 1952، بعد أن ألغى قبلها مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة معاهدة 1936، فأصبحت قوات الجيش البريطاني في مدن القناة هي قوات احتلال، ثارت ضدها المقاومة الشعبية، وأذاقها الفدائيون مر العذاب، ثم وقف رجال الشرطة البواسل في الإسماعيلية في وجه استيلائها على مبنى المحافظة، فقتلت منهم خمسين ضابطا وأصابت ثمانين جريحا يوم 25 يناير، كل ذلك جعل مصلحة الملك في التخلص من حكومة الوفد، تلتقي مع مصلحة الإنجليز، وجاء الاحتياج للفاعل الذي عليه أن ينفذ الجريمة.

وفقا للشهادات والوثائق التي يعرضها الفيلم، تشير أصابع الاتهام بوضوح، إلى القوى الوحيدة التي امتلكت القدرة على التحرك على الأرض بسرعة شديدة، ونظام متقن، ووفقا للشهادات أيضا فإن جميع القوى السياسية المصرية تواجدت على الأرض يوم 26 يناير بدون ترتيب مسبق، بسبب الفوضى العارمة التي سببها الحريق المفاجئ والضخم والمخيف، لكن القوة الوحيدة التي كانت على علم “بتحركات الجميع” كانت جماعة الإخوان المسلمين، التي تم حلها فيما سبق، ثم سمح بعودتها مجددا النحاس باشا نفسه عام 1950، الإخوان المسلمون يدّعون أنهم ضمن القوى الوطنية المصرية، لكنهم في كل فرصة يثبتون ولاءهم للملك أيا كان، ويوطدون علاقاتهم بالإنجليز أولي نعمتهم وأول من تبرع لهم بالأموال، وبرغم أن الهضيبي -المرشد العام للإخوان- قد استنكر بعد أربعة أيام هذا الحريق، إلا أنه وبعد 27 عاما يعترف محمد عبد الحليم (أحد أهم أعمدة النظام الخاص للإخوان) في كتابه “الإخوان المسلمون- أحداث صنعت التاريخ” بأن الجماعة كانت على علم بكل صغيرة وكبيرة فيما يخص حريق القاهرة، وكانت على تواصل مع الجميع! كالعادة طبعا فالإخوان كاذبون.

في ذلك اليوم المشئوم تتحرك عناصر منظمة تحيل القاهرة إلى كتلة دخان، بعلم وتحت أنظار رئيس البوليس السياسي، وفي ضوء تجاهل الملك لطلب وزير الداخلية الاستعانة بقوات الجيش حتى الرابعة والنصف عصرا، بعد أن كانت الجريمة قد اكتملت، أما وزير الداخلية حينها فؤاد باشا سراج الدين فتشير المستندات أنه طلب من أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي (والمتهم الرئيسي في القضية فيما بعد) في اليوم السابق تنظيم مظاهرة صغيرة لإحراج الملك، لم يكن يعرف أنها ستتحول لمظاهرة عارمة بعد انضمام 300 من رجال الشرطة لها عقب علمهم باستشهاد زملائهم في الإسماعيلية، وانضمام طلبة جامعة القاهرة أيضا.

ثم تبدو المؤامرة مكتملة بعد أن يقيل الملك حكومة النحاس باشا، بعد أن أصبح الأخير حاكما عسكريا للبلاد عقب إعلان الأحكام العرفية، لكن لليلة واحدة حيث يتولى تشكيل الوزارة أحمد باشا ماهر الموالي للملك، وذلك في اليوم التالي، ويبدأ بالقبض على الفدائيين، والتحقيق في ملابسات الحريق، وهو التحقيق الذي لم يكتمل.

يستعرض الفيلم وثائق مهمة، منها ما هو بريطاني، وما هو أمريكي، ولا يعكسان سوى عبثية المشهد، حيث كان لكلٍ من السفارتين رجالهما في موقع الأحداث، حتى أن السفير الأمريكي طلب من الملك نزول قوات الجيش، وحين أعرب الملك عن قلقه من عدم عودتها إلى ثكناتها، أخبره السفير الأمريكي بأن الولايات المتحدة قادرة على إرجاعها بما لها من سلطة وتأثير! ولكن الملك أصر على موقف، ولم يسمح بنزول قوات الجيش إلا بعد أن انتهى كل شئ، وبدت حكومة النحاس غير قادرة على السيطرة على الموقف.

السفارة الإنجليزية، السفارة الأمريكية، ملك يبحث عن مصلحته ويصفي خصوماته مع الساسة الوطنيين، وجماعة الإخوان المسلمين على علم بكل ذلك، تتواصل مع الجميع وتعرف خطواتهم، تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على أي مكسب، تريد أن تثبت للجميع قوتها على “الأرض”: نستطيع إزاحة الحكومة.. نحن رهن إشارة أصابعكم؛ كي تستطيع ترجمة ذلك لمكاسب سياسية وتحجز لنفسها مكانا في السلطة!

ولم ينتبه الجميع إلى أن ضباطا في منتهى الشجاعة يخططون لإيقاف كل هذهِ المخططات، لأجل الوطن وحسب.

في رأيي أن هذا الفيلم وغيره من الوثائقيات، هو الطريقة المثلى “لتعليم” طلاب المدارس خاصةً في مادة التاريخ، فهو يستخدم لغة الصورة، التي يعتبرونها هي اللغة الأقرب لهم والأسهل في الاستيعاب، كما أنها تقدم إضافة فنية إلى جانب المعلومة سواء تاريخية أو علمية، فأي فيلم يستخدم بالضرورة عناصر الموسيقى والإضاءة وغيرها مما يغذي الذائقة الفنية للطلاب على اختلاف أعمارهم، كما أن فيلما مثل “حريق القاهرة” هو وجبة تاريخية دسمة في خمسين دقيقة فقط، من الأسهل بكثير على الطالب أن يستوعب ما فيها، عن أن يقرأه ضمن كتاب وحسب، خاصةً إذا أُدير نقاش مع المعلم، وتم عرض وجهات النظر المتنوعة، أي أن فيلما واحدا هو درسا في التاريخ والفنون والنقد والحوار، وأعتقد أن هذا هو الأوان الأنسب لتفعيل مثل هذهِ الأداة.

الفيلم الوثائقي “حريق القاهرة” من سيناريو وإخراج أحمد صفوت، وإعداد إمام أحمد.

حريق القاهرة.. تخطيط استعماري وتنفيذ محلي خائن استغل الدين لمحاولة الوصول إلى السلطة، ولو كان على جثث بني وطنه.

ما أشبه الليلة بالبارحة، حتى لو لم يعترف التاريخ صراحةً بأنه يعيد نفسه.

الوسوم
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock