المكتبة

يحيى حقي.. الخواجة الذي غرس أقدامه بين “الدماء والطين”

محمد حسن الصيفي

114 عامًا مرت على ميلاد واحد من أعظم الكُتّاب في تاريخ مصر؛ يحيى حقي، القاص والكاتب والدبلوماسي الكبير. ولد يحيى حقي 7 يناير 1905 في “درب الميضة” بالسيدة زينب، وهو العام نفسه الذي ولد فيه الكاتب والفيلسوف والمفكر الفرنسي جان بول سارتر، وكلاهما أحدث فارقًا في تاريخ بلاده لآراءه ومواقفه القوية.

يحيى حقي في مصر حكاية مختلفة، وفكرة تبدو مدججة بالتناقضات على السطح، لكن في العمق يحمل كل معاني الأصالة والوطنية المصرية الخالصة.

نرشح لك: القائمة الكاملة لروايات إبراهيم عبد المجيد

نشأة مختلفة

هل كان يحيى حقي محظوظًا؟

ربما، لأنه جاء في عصر شهد العديد من الأحداث الكبرى، وتوفر له الكثير من الأدوات التي صنعت منه كاتبًا عاش طويلا بكتاباته وأفكاره، سيرته الذاتية تصلح لأن تكونا فيلمًا سينمائيًا مليئًا بالتشويق والإثارة وكذلك التحولات الكبيرة.

ولد في السيدة زينب لأسرة تركيّة، وتوفر له الاطلاع المبكر على التراث، وقراءة أشعار المتنبي وشوقي وغيرهم الكثير، كان يسمع فقرات من كتب الغزالي ومقامات الحريري من أمه، وكان أكثر إخوته حبا للشعر وحفظًا له وترديدًا لكلماته.

ورغم كونه ينتمي لأسرة ذات أصول تُركيّة؛ لكنه انتمى لبيت معتدل وهاديء لا يحمل مقومات التكبر التركية، بل العكس؛ كان بيتًا يعرف النظام والعدل والمحبة بين أفراده.

وبعد سنوات الطفولة الجميلة التحق بمدرسة “أُم عباس” الابتدائية، وهي السنوات العنيفة التي تركت أثرًا خشنًا في نفسه؛ حيث كانت مدرسة مجانية للفقراء وظل هذا الأثر في حَلْقه طوال عمره، لما لاقاه من الحي الشعبي القاسية، لا سيما الضرب بالعصى من المعلمين والذي أحزنه حزنًا شديدًا.

لكنه صمد، وأكمل دراسته بنجاح خطوة تلو الأخرى وتفوقٍ يلاحق الآخر، حيث حصل على البكالوريا وجاء ترتيبه ضمن الخمسين الأوائل على مستوى الجمهورية ومنها إلى مدرسة الحقوق العُليا التي حصل منها على الليسانس عام 1925… ومنها إلى بوابة الحياة الكُبرى.

 

البداية الحقيقية

بعد عامين من التخرج والعمل بالمحاماة نجح في مسابقة وزارة الخارجية التي أجريت لتعيين أمناء للمحفوظات، وهي المسابقة التي كانت بمثابة البوابة للسفر والتنقل والترحال فعمل في القنصليات المصرية بالخارج؛ وأولها في جدة، ومن جدة إلى اسطنبول، ومنها بعد أربع سنوات إلى روما.. وهي سنوات الصناعة الثقيلة للكاتب المحنك، ففي جدة مكث في المكتبة يقرأ للجبرتي، وفي تركيا يعود لجذوره العثمانية، يتعلم فيها اللغة التركية، ويقرأ وينفتح على العالم في فترة أتاتورك والتحول الكبير في السياسة التركيّة، وفي إيطاليا تعلم أيضًا اللغة الإيطالية، وقرأ لموسوليني الذي كان يكتب بياناته بنفسه، كما أنه زار ألمانيا وشاهد هتلر وهو يخطب منتشيا وسط حشد الألوف من الأنصار والمحبين.

مرحلة المصاعب

وبعد تلك الرحلات المدوية يعود إلى مصر 1939 ليبدأ في أحد أهم مشروعاته الأدبية إن لم يكن أهمها “قنديل أم هاشم”.

تزوّج في السابعة والثلاثين من السيدة نبيلة سعودي التي أنجبت له ابنته “نهى” ثم توفيت بعد شهر واحد من الولادة في سيناريو مخيف بدأ بضعف النظر من العين اليسرى ثم اليمنى ثم انتهت إلى مفارقة الحياة لتترك الرجل وحيدًا مع طفلته الرضيعة.

بعد عشر سنوات وبالتحديد في 1949 ينتقل إلى السفارة المصرية في باريس سكرتيرا، تاركًا ابنته في القاهرة.

“في باريس كل واحد حر؛ الحكومة هناك هي عسكري المرور وبس !”.. وهناك التقى بحبيبة العمر الفنانة “جان ميري جيهو” في مرسم في باريس، قصة حب بدأت من الفن من حيث لمسات السيدة الرقيقة على اللوحات وبمزيج من المشاعر والأحاسيس والألوان تبدأ رحلته معاها لتمتد حتى نهاية العمر.

قراءة في يحيى حقي

ويحيى حقي هذا صاحب الملامح الدقيقة الصغيرة، الذي كان دائمًا ما يلقبه الآخرون من صغره بـ”الخواجة” نظرًا لملامحه التي تشي بأصوله التركية، لكن واقعه يقول أنه ابن البلد الذي أغرق نفسه في تفاصيلها، فأول ما كتب بعد رحلته الطويلة في الخارج كان “قنديل أم هاشم” يتحدث فيها إسماعيل عن الجهل والخرافة متحديًا الأفكار البالية القديمة ويصرخ لكسر أبواب الجهل محاولا فتح ثقوبا صغيرة لكي يمر منها النور والهواء اللازم.

رجل بسيط، يحب اللغة السهلة، لا يحب الزخارف ولا التكلف رغم كونه قرأ أعدادًا لا تحصى من الكتب والمراجع، ورغم كونه دائم الاعتزاز والاطلاع على القواميس وهي دائمًا بالقرب منه.

أثناء رئاسة تحرير “المجلة” من “1961-1971” يفتح الباب للشباب، تأتيه قصة قصيرة غريبة بعنوان “نزف صوت صمت نصف طائر” لمحمد إبراهيم مبروك، يتصل به سامي فريد من المجلة ليبلغه بالقصة التي جاءت من شاب لا يعرفه والعدد الجديد تم الانتهاء منه؛ فيأمره بالذهاب إليه بالقصة ويسمعها من سامي فريد مرتين ويأمره بالذهاب سريعًا لإعداد رسوم لها ونشرها حتى ولو على حساب مقاله شخصيًا !

هذه القصة رواها سامي فريد بنفسه في كتابه الماتع “يحيى حقي الذي أعرفه؛ أنا يحيى حقي” وهو الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

ويحيى حقي ينسف فكرة الحرية المطلقة والعبثية في الفنون والآداب، فهو كاره للألفاظ الفجة والقبيحة، ورافض للانسياق خلف القبح على اعتبار أنه مذهبًا للواقعية، فيرفض ألفاظا بعينها في قصة لإسماعيل البنهاوي ويرد: “الأدب في النهاية بقدر ما هو تعبير عن الواقع فهو رسالة فنية هدفها الجمل؛ والأدب الذي لا يخدم الجمال ولا يخدم خير الإنسان وسعادته لا أعتبره أدبًا”.

وعليه، فهو يملك الرأي الصريح فيما يخص قضايا المجتمع، يكتب مقالاً تحت عنوان “أنا خرمان” يتحدث عن التدخين وأثاره السلبية، والتناقض الذي يصيب البعض من فرط إدمان العادات السيئة وعلى رأسها التدخين.

يقول في إحدى لقاءاته التلفزيونية: “ماكينة الخياطة من أهم منجزات هذا القرن، فتحت بيوتًا كثيرة وربت أيتامًا وسترت أعراضًا”.

وهذا الدبلوماسي الذي ينتمي نظريًا للارستقراطية يعيش قلبًا وقالبًا مع الأفكار والطبقات الشعبية، مهموم بها ويتحدث عنها ويحاول تقويم وتصحيح ما بها في مختلف أعماله ما بين القصة القصيرة والرواية والمقال وصولا حتى للنقد.

أبرز أعماله:

قنديل أم هاشم

أحد أبرز أعماله وربما أشهرها، تحوّلت إلى فيلم عام 1968، الفيلم بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد وعبد الوارث عسر وأمينة رزق، الرواية تحكي عن إسماعيل الذي سافر لإكمال دراسة الطب في ألمانيا ثم يعود ليكتشف أمرًا خطيرًا يحاول التصدي له بقوة ويواجه بعض العثرات قبل أن ينحج في النهاية.

صح النوم

أقرب أعمال يحيى حقي إلى قلبه، تدور في الريف، تخلو من التطورات المثيرة، لكنها تدور في إطار سياسي فلسفي يجذب القارئ.

دماء وطين

من الفترة التي قضاها في الصعيد خرجت تلك المجموعة القصصية، تسيطر عليك مشاعر مختلفة وأنت تقرأها، الحب والسياسة والدراما والكوميديا…ومن بين قصص تلك المجموعة “البوسطجي” التي تحولت على يد الصحفي والروائي الكبير صبري موسى لسيناريو للفيلم الذي يحمل نفس الاسم عام 1968.

تراب الميري

وهو مجموعة من المقالات ما بين السياسة والأدب ورجل الشارع البسيط واهتماماته؛ يقدم يحيى حقي هذا العرض السلس الذي لا يخلو من طرافة محببة للقارئ.

ويعتبر يحيى حقي الكاتب العربي الأول الذي أعلن اعتزال الكتابة مبكرًا، حين شعر أنه حان وقت التوقف ليبقى في غرفته منكبًا على كتبه وذكرياته وحنينه للماضي الجميل وأيام الترحال وسنوات الكد في الصحافة والسلك الدبلوماسي ومساعدة الكُتاب الشباب.

توفي الكاتب الكبير عن عمر يناهز 87 عاما؛ في التاسع من ديسمبر عام 1992.

https://www.e3lam.org/2018/12/26/382911

شاهد| أبرز الأحداث التي شغلت الوسط الثقافي خلال عام 2018

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock