كيف استخدمت "دكة أضف" التكنولوجيا والفن لتعديل سلوك الأطفال؟

رباب طلعت

على الناصية اليمنى، من  أحد شوارع حي المقطم، تقع إحدى الفلل، التي لا توحي إلا بأنها منزلٌ أسري، مفتوح الأبواب، التي يقف خلفها مجموعة من الأطفال، في أعمار المراهقة الأولى، هم أشبه بالأخوة، أو أدقًا هم أبناء لأسرةٍ واحدة، لاختلاف ملامحهم، ولكن أرواحهم واحدة، انطلقت بين جدران “دكة أضف”.

باتفاق مسبق ذهب “إعلام دوت أورج“، لـ”دكة أضف”، للتعرف على مجتمعٍ تنموي، أًنشئ لاحتضان الأطفال ما بين أعمار 12 إلى 15 عامًا، لتسخير ما
سيتعلمونه فيه من مهاراتٍ فنية، وتكنولوجية، لرسم ملامح شخصياتهم، وتنميتها، لتمكينهم من النشأة السوية، والمؤثرة.

عن “دكة أضف”

يروي عمرو جاد الذي استقبل “إعلام دوت أورج” في “دكة أضف”، بدايات الحلم، قائلًا: مؤسسة التعبير الرقمي العربي “أضف”، أسسها مجموعة من الأفراد المهتمين بتنمية الجوانب الفنية والتكنولوجية للأطفال في الوطن العربي بشكل، أحدهم كان علي شعث، الذي حضر في الفترة من 1984 إلى 1994، معسكرات الكمبيوتر العربية، كميسر ثم كمدرب، فأثرت في شخصيته وشَغلت باله طويلًا حتى بعد سفره للحصول على الماجستير من هولندا، بعد تخرجه من كلية الهندسة، وزواجه، ثم إنجابه، فكر في كيفية نقل تلك التجربة إلى أبنائه، وللمجتمع، فطرح الفكرة على أصدقائه، من الشعراء والفنانين، ومتخصصي المسرح وغيرهم، والذين اقترحوا عليه إعادة تلك المعسكرات، ولكن بإضافة الفن، مع التكنولوجيا، لمنح بعٌد أعمق للأطفال من سن 12 إلى 15 عامًا، لأن التكنولوجيا أصبحت هي محور حياتهم، ويستخدمونها يوميًا، والفن هو المؤثر الأعمق في شخصيتهم، ومهذبها.

في 2007 تحقق الحلم، ونجح “شعث” في تطبيق ما عاشه في طفولته مرة أخرى، بإقامة أول معسكر لـ”أضف”، الجمعية الأهلية التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، طبقًا لقانون الجمعيات الأهلية، وسُمي المعسكر بـ”معسكر التعبير الرقمي”، والتي استمر إقامتها سنويًا من وقتها في مصر، إلا أن في عام 2012 طُبقت في تونس، وعام 2017 في لبنان، بمشاركة أطفال من كافة الدول العربية، لا معايير لاختيارهم، سوى شغفهم بالحضور، ويُتاح لهم التقديم إلكترونيًا، بشرط أن تكون مشاركة 60% منهم إما بمنحٍ كاملة تتكفل الجمعيات في بلادهم تكاليفها كاملة، أو نصفية تدفع لهم النصف، وهم النصف، و40% فقط هم من يدفعون اشتراكات كاملة.

عامٌ بعد عامٍ مع استمرار إقامة المعسكرات التي تستمر لإسبوعين في الصيف، كان لابد من تطويرها سنويًا، لتتماشى مع التطور المستمر. منذ السابعة صباحًا يبدأ المعسكر، ويتوزع الأطفال على الورش المتنوعة (الفيديو، والتعبير البصري -الرسم والفنون اليدوية والتصميم الرقمي-، والهندسة الصوتية والمكساج -كيفية استخراج أصوات الموسيقى من الأدوات المحيطة، الكارتون والبلاستيك، مع مؤثرات صوتية مثل حبات الأرز لفهم طبقات الصوت وتركيباته ومن ثم تسجيله وتركيبه وغيرها من الأساليب التقنية لصناعة الصوت-).

المعسكرات كانت أول أبناء “أضف”، التي وُلد لها حلمٌ جديد، وهو “دكة أضف”، الذي نجحت المؤسسة من خلاله، توفير مكانٍ ثابتٍ، لتقديم ورش
المعسكرات، بشكلٍ ثابتٍ خلال السنة، بالإضافة لإقامة الحفلات وعروض السينما، وغيرها من الأنشطة التي جعلت من “دكة أضف”، مجتمعًا داخل مجتمعٍ، سُخر تدريجيًا لخدمة حي المقطم بصورة أساسية، وأيضًا أصبحت الورش متوفرة لأعمار ما بعد 15 عامًا.

كان لـ”دكة أضف” دورًا أكبر، لتأسيسها، وهو تنفيذ مشروع “تمكين الشباب رقميًا”، من خلال المدارس الصيفية على مدار شهرين، والتي تشمل 4 مجالات أساسية هي: (الفيديو وصناعة الأفلام، والهندسة الصوتية، والتعبير البصري والرقمي، والحوسبة والبرمجة)، والذي انطلق من نوفمبر 2014، لتحقيق 4 أهداف رئيسية هي: كتابة مناهج باللغة العربية في مجالات الفيديو والهندسة الصوتية والتعبير البصري والحوسبة، بأيدي خبراء خبراء في الفنون المختلفة مع مراعاة أن يتناسب تنفيذ الأنشطة مع التربية الاجتماعية وقيم المؤسسة، وتدريب 100 شاب من سن 21 فما فوق، وهو ما انتهى بالفعل، وقد اختير منهم 35 شابًا وفتاة للتدريب في المجالات المختلفة خلال عامي 2016، و2017، وعقد شراكات مع 4 جمعيات لتنفيذ تلك المدارس خلال العام الماضي، وبزيادة 5 جمعيات العام الحالي، وأخيرًا تدريب 300 فتى وفتاة أعمارهم ما بين 12 إلى 15 سنة، تم تدريب 230 منهم العام الماضي، وفي دِكّة هذا العام انتهوا من تدريب حوالي 42 ولد وبنت.

“مهمتنا نشر المعرفة، وتقديم معلومات للمجتمع عن حاجات عمرهم ما هيلاقوها بالعربي لأن أساسها إنجليزي”، كان التعبير الذي اختاره “جاد” للتعبير عما يهدف له كتابة المحتوى العلمي من خلال مشروع “تمكين الشباب رقميًا”، حيث إن الهدف الأساسي منه هو تقديم موسوعات عربية عن كافة الفنون، يلجأ لها كل من يود تعلمها وهو ناطق بالعربية، ومن ثم نشرها في محيطه الجغرافي، وهو محاولة لنشر الفنون بشكلٍ كافٍ للارتقاء بالمجتمع، بالتأثير على أرواح الأطفال، وإطفاء التعصب والكراهية وغيرها من الصفات في قلوبهم، عن طريق تعلمهم للفنون، مضيفًا: “كمان هدفنا نخلي الآباء يهتموا بده، وأننا نقدر ننشر ده برة مصر وجوة كل محافظاتها”، ولذلك تعاملنا مع الجمعيات الأهلية، لتقديم محتويات المدارس الأربع عن طريقها في مناطقهم المختلفة، وأيضًا تقديم التدريب الكافي للعاملين بها ممن يرغبون في تعلم تلك الأمور، لتقديمها للأطفال في محيطهم بنفسهم”.

يستطرد عمرو جاد، قائلًا: “شبكتنا واسعة والمدربين اللي نعرفهم كتير، وكل واحد فيهم ليه شبكة علاقات تانية، بنسألهم عندكم حد يقدم ده يوصلونه بيه والشبكة تكبر، وبده بنقدر نستغل علاقاتنا الشخصية والإنسانية في تحقيق هدفنا”، لافتًا إلى أن كافة المدربين يسخرون جزءًا من وقتهم وعلمهم لتحقيق ذلك، ويأخذون مكافأة صغيرة جدًا لا تُقدر مجهودهم، ولكنها مجرد “كلمة شكر لهم”، موضحًا أن المشروع تموله مؤسسة دروسوس السويسرية، من نوفمبر 2014 إلى أكتوبر المقبل، لذلك فتلك الميزانية جعلت المدارس الصيفية مجانية، مردفًا أن بعد انتهائها يُقام حفلٌ كبيرٌ للأطفال، لعرض منتجهم النهائي من الورش، وتلك المنتجات لا تباع تمامًا، كي لا يشعر الأطفال بأن تلك متاجرة بهم، بل يجب أن يشعروا بأنها أشياءً مهمة يجب الاحتفاظ بها، وذلك هو نفس السبب لعدم ظهورنا في الإعلام بشكلٍ كبيرٍ حفاظًا على مشاعرهم.

 

“احنا ضد التنافس”، أحد القيم التي أكد “جاد” عليها من خلال المدارس، مؤكدًا أنهم يرعون زرع قيم التعاون والإيثار بداخل الألعاب التي يمارسونها، والتي يتم اختيارها طبقًا لمدى مراعاتها واحترامها لسياسة حماية الطفل، حيث يجب أن تكون خالية من التنافس والضغط، فدور المدرسة هو الأخذ بيد الطفل لوسائل البحث والتعلم، والفهم والتعبير عما بداخله، ولذلك لا تقييم لمنتج المدارس، بل التقييم يكون من خلال فريق متابعة وتقييم، ومن الميسرين، ومسئول المساحة، الذين يرصدون انطباعات عن الأطفال، منذ بداية الورشة لنهايتها، لمعرفة مدى تأثيرها على شخصيته، وذلك مقياس النجاح الحقيقي.

5 قصصٌ داخل “دكة أضف”

(1)

أنا مريم سعيد، 14 عامًا، التحقت بأضف بالصدفة، حيث عرف عنها والدي من خلال أصدقائه، لم أكن مهتمة بالسينما والتصوير، لكني وافقت لإرضائه، وحبًا في التجربة، ومن أول يوم لي في المكان “حسيت أني في عالم برة مصر، أن لينا مجتمع لواحدنا، بميثاقنا، أحنا اللي كتبنا القانون اللي نمشي عليه”، ففي اليوم الأول كنت طفلة صامتة، منطوية، لست اجتماعية، ولا أريد تكوين صداقات، لكنهم سألونا عما نحبه ونكره في مجتمعنا وكتبنا ميثاق لنا، وضعناه على الحائط، ولكننا مع الوقت أزلناه فلقد أصبحنا “نحن الميثاق”، كنت أكره التفرقة بين الولد والبنت، ولكن الآن أصبحت صاحبة مسئولية، قوية الشخصية، لا أجعل شيئًا يمر عليّ دون أن أسأل، أفهم، أناقش، واقتنع، دراستي أيضًا في الورشة، جعلتني أشبه بالناقدة السينمائية، أجلس مع أسرتي أحلل العمل الفني، حتى أن والدي أصبح يخبرني أنني تغيرت وأصبحت لي شخصية مستقلة، تتقن التعبير عن نفسها بحرية.

(2)

أنا محمد مصطفى شهرتي “صفارة”، كما يناديني الأطفال، مهتم جدًا بمجال السينما والفيديو، تعلمته تعلمًا ذاتيًا وهو أمر ليس بالسهل، انضممت لـ”دكة أضف” لتدريب الأطفال، أصبحت أتعلم من خلالهم، فنحن نتطور سويًا، ونحاول التخلص من العوائق التي تواجهنا لإكمال المشروع سويًا، نتبادل المعلومات والخبرات “بعلمهم وبيعلموني”، حرصت أنا وزميلتي لميا، أن نتابع الجزء  القيمي بجانب الفني لدى الأطفال فكلاهما متساويان في الأهمية، لقد بنينا معهم مجتمعًا مستقلًا “ملوش علاقة بالمجتمع اللي برة”، لتشجيعهم على الاستقلال بأفكارهم والتعبير عنها، وبناء شخصياتهم، لقد حدث تغيير ملحوظ في شخصياتهم من بداية المدرسة لنهايتها، ليس هم فقط في الحقيقة أنا أيضًا.

(3)

أنا عاطف رستم أدرب الأطفال في مدرستي التعبير البصري، والصوت، انا مهندس اتصالات، لكنني تركت مهنة الهندسة، وكنت من سنوات أبحث في العديد من المجالات عن شخصيتي، والتي كانت تنتهي دائمًا إلى طريق واحد وهو الفن، التحقت بفريق المدربين بالصدفة، حيث كنت أحضر في ألف يوم الثلاثاء لحضور عرض السينما، وورش أخرى، وجد الإعلان عن المتدربين، فاختاروا أن أتولى مسئولية تلك النشاطات، “احنا كمان مش بنحب نقول مدربين، احنا ميسرين، بنيسرلهم طريق المعرفة وبس، لكن هما بيعلموا نفسهم”، بالإضافة لتركيزنا الدائم على تعليمهم بشكلٍ آمن، وحمايتهم من البيئة المحيطة بهم، تفاجأت من خلال التعبير البصري، على قدرة الأطفال على إبداعهم في التعبير عن أنفسهم من خلال الرسم الصورة أو التجميع، وغيره، تجربتي في “دكة أضف”، أثرت على علاقتي بـ”كريمة” ابنتي الوحيدة، ذات الـ13 عامًا، فلقد كنت أعاملها كطفلة، إلا أنني وبالتعامل مع أطفال من سنها، وجدت أن لديهم أفكارهم ورؤيتهم، وأنهم “هيكونوا اللي عاوزينه مهما قولنا فالمطلوب منها مش التحكم، المطلوب إننا نوفرلهم مكان آمن وحر، يعبروا عن نفسهم فيه”.

(4)

أنا منة، 15 سنة، العام الماضي طلب مني أخي الالتحاق بـ”دكة أضف” حيث إنه يعرفها عن طريق أصدقائه، لكني لم أكن متحمسة، لكني كنت مضطرة هذا العام على الموافقة، لم أكن متحمسة في البداية فأنا أكره الرياضة، لكن ليس لي اهتمامات فنية فالتحقت بمدرسة “الحوسبة”، والتي نجحت في جذبي، حيث أنني وجدت أن الأمر سهلًا ليس كما نأخذه في المدرسة، فلقد فهمته وطبقته بلغة برمجة مثل البايثون أيضًا، تلك التجربة والتعامل مع الخوارزميات، غير من طريقة تفكيري حتى في الحياة العامة، فلقد أصبحت أحلل أي مشكلة، وأحاول الوصول لحلها بمنطقية، “وكمان مبقتش كئيبة زي زمان”.

(5)

أنا رقية نور ، 13 سنة، في مدرسة الـ”كمبيوتنج” أيضًا، لست مهتمة بالمجال، ولكني دخلته لأنني العام الماضي التحقت بمدرسة التعبير البصري، حيث إني أحب الرسم، ولكن قوانين “الدكة” تمنع الالتحاق بنفس المدرسة لعامين متتاليين، اعتبارًا لأن يكون بإجبار من أحد الوالدين، ولكني دخلت الحوسبة لحبي في المكان، فلقد كنت أزوره في المدرسة، لكي أدرس فيه، فطريقة تعليمهم جعلتني أسأل “ليه المدارس مش كده، ليه مبنتعلمش بالأسلوب ده، ليه بنفهم هنا وهناك لا؟”، فلقد تعلمت هنا العديد من الأشياء الجديدة، وشخصيتي تبدلت تمامًا، “كنت في المدرسة بقعد على جمب مبحبش أكلم حد، وبخاف أقول رأيي أو اتكلم، لكن دلوقتي بقالي صحاب كتير باخد منهم حاجات كويسة، وبعبر عن نفسي بثقة وحرية”.