برومو

هدية من الماضي..كل المشاعر الصادقة في فيلم

هل تخيلت يوما أن تشاهد مجددا كل انفعالاتك العاطفية الصادقة من حب وحنين وشوق وغضب داخل قاعة سينما بعد أن تم تصويرها بكاميرا مخفية؟ هذا تحديدا ماحدث مع الدكتور مختار يونس الأستاذ بمعهد السينما، عندما قررت ابنته المخرجة كوثر يونس أن تلتقط أحدى تفاصيل حياته العاطفية فى الماضى لتصنع منها فيلما وثائقيا صادق المشاعر ومرهف الحس، الفيلم يقدم تجربة حقيقية للمخرجة التى أرادت أن تحتفل بعيد ميلاد والدها الخامس والسبعين بطريقة مبتكرة وغير تقليدية، ففاجأته برحلة إلى إيطاليا التى درس بها فترة شبابه، حيث كان طالبا بالمركز التجريبى للسينما فى روما،الرحلة كان لها هدف معلوم ومحدد منذ البداية، وهو البحث عن حبيبته الإيطالية باتريسيا، حيث افترقا عن بعضهما البعض منذ ثلاثة وثلاثين عاما، سافر الدكتور مختار إلى مصر ووعد حبيبته بالعودة، ووعدته هى بانتظاره، لكنه استقر فى وطنه ليكون أسرة وينجب أبناء، بينما ظلت باتريسيا فى قلبه، وبقيت فكرة اعادة خاتمها الذهبى إليها أمنية يحلم مختار أن يحققها جتى لايسئ إلى سمعة المصريين على حد قوله، لم يظهر الفيلم بالتأكيد مالذى كان يحكيه مختار عن باتريسيا طوال سنوات الغياب، لكن من المؤكد أن حنينه الجارف لها، واحتفاظه بصورها ومتعلقاتها طيلة كل هذه السنوات ولد الفكرة داخل ذهن كوثر ليصبح الفيلم هو مشروع تخرجها من المعهد العالى للسينما، الذى نال استحسان وإشادة من أساتذتها، ثم فى المهرجانات الدولية التى عرض بها، وأخيرا فى العرض التجارى له بسينما زاوية الذى بدأ منذ عدة أسابيع، ومستمر بنجاح حتى الآن.

هدية من الماضى له اسم آخر هو 20 سبتمبر، يشار به إلى تاريخ ميلاد الأب، وتاريخ اللقاء الذى اختارته كوثر ليجمع الحبيبين بعد أن بدل الزمن ملامحهما لكنه لم يستطع أن يقضى على ما فى قلبهما من حب، رغم أن وقوده طيلة هذه السنوات كان مجرد قصاصات من ورق حملت ذكريات من الماضى، وصور قديمة جدا، سجلا من خلالها أجمل لحظاتهما سويا، حيث الحب والانطلاق والشباب.

الجميل فى الفيلم الذى سجل بصدق حالة التأرجح التى أصابت الوالد من مجرد طرح الفكرة مابين قبول ورفض، أنه أبرز أيضا التبدل الذى يصيب ملامحه حيث تصبح أكثر شبابا بمجرد أن يتذكر كيف كانت تناديه محبوبته ب(أميرى) وكيف كانت تنظر إليه كفارس عربى سيطير بها محلقا فى سماء الحب.

ارتباك حركة الكاميرا، واضطراب الرؤية سمة عامة فى الفيلم، وهو يبرز بشكل أو بآخر الطريقة التى اتبعتها المخرجة فى تصوير الفيلم بكاميرا مخفية معظم الوقت لتضفى عليه مزيدا من المصداقية والحميمية، الغريب أن حالة الارتباك تلك لم تنتقل للمشاهد مطلقا، الذى شغلته رغبته فى أن يشعر بأحاسيس جميلة، ويتابع مشاعر صادقةعن رغبته فى مشاهدة لقطة حلوة أو كادر مميز.

أما الخلفية الموسيقية داخل الفيلم فقد اعتمدت فقط على الأغانى القديمة لعبد الحليم حافظ التى يدندنها الوالد، أو المنبعثة عبر جهاز اللاب توب كنوع من الواقعية، والحقيقة، فإن الفيلم فى مجمله يعتمد على بناء درامي أقرب إلى ذلك الذي نراه في الأفلام الروائية الطويلة، منذ أن فاجأت كوثر والدها بشراء تذاكر السفر، الذى فرح للوهلة الأولى، لكنه ظل يماطل بعد ذلك بحجج واهية أحيانا، وبمبررات منطقية أحيانا آخرى، كان من بين تلك المبررات أن ميعاد السفر يوافق ميعاد لقائه بوزير التعليم، الذى سيقترح عليه مشروع يخص الأطفال الصغار فى سن الاعداد للمدرسة، والحقيقة أننى تمنيت بعد مشاهدة الفيلم أن يفتح الحديث عن هذا المشروع مجددا، خاصة أن الفيلم يظهر الدكتور مختار وهو يلاعب الأطفال فى روما ويصورهم بكاميرته بكل حب ممزوج بخبرة فى التعامل مع هذا السن.

الفيلم أيضا يزدحم بتفاصيل إنسانية رائعة تجلت فى مشهد إبلاغ الأم بأن زوجها سيذهب إلى روما ليبحث عن حبيبته، ومشهد مشاركة الفتاة والدها البحث في دفاتره القديمة عن ذكرياته مع “باتريسيا”، ومشهد الوصول إلى روما وحالة التخبط والإرهاق التى واجهتهما حتى ساقت الأقدار لهما شاب عربى سهل عليهما الأمر كثيرا، أما ذروة مشاهد التأثر فى الفيلم تبدأ بعد الانتهاء من المراحل الأولية فى البحث عن باتريسيا، حيث يُصاب الأب وابنته بصدمة وخيبة أمل بعد اكتشاف رحيل “باتريسيا” عن المكان الذي كانت تعيش فيه، وتستشعر “كوثر” الحالة النفسية المتردية التي وصل إليها والدها، فتوظف التكنولوجيا فى البحث عن باتريسيا، حيث تصل الإثارة إلى ذروتها مع العثور على اسمها فى موقع التواصل الإجتماعى فيس بوك، والتواصل معها، وابلاغها بالأمر كلية، وهى اللحظة التى دب فيها الأمل مرة آخرى إلى قلب الأب، بشكل جعله يُصر على شراء هدية ثمينة لحبيبة الماضي، كل ذلك يحدث بشكل عفوى، وبحوار تلقائى نابع من القلب، ومركز بشكل يجعل من مونتاج العمل بطلا حقيقيا، وعاملا أساسيا فى تميز الفيلم الذى صار بشكل متوازن ومشوق دونما مط أو تطويل، حتى حان اللقاء المرتقب بين الحبيبين، الذى كلل المجهود بالنجاح، وأكد على أن حبال الود المقطوعة يمكن أن تتصل يوما ما طالما بقى الحب فى القلوب، دقائق من المشاعر المختلطة مابين الحب والاستغراب وعدم التصديق، بل والصدمة أيضا، فالأمر حقا لايمكن تصديقه بسهولة، والمشاعر لخصتها باتريسيا فى حديثها لكوثر( أنت فتاة مختلفة لأب مختلف) أما مشهد النهاية الذى رصدت من خلاله كوثر الدمعة التى سقطت من عين الأب بينما يجلس سارحا فى قطار العودةفيستحق وحدة جائزة تميز.

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock