تحليل

كمال رمزي يكتب: عيد ميلاد سناء.. جميل

فى أحد أحلامه، ذات المغزى العميق، الشامل، استبد الشوق بنجيب محفوظ، تجاه المرحومة عين، دعاها، جاءت.. ذهبا معا إلى مقهى الفيشاوى، استقبلهما المعلم القديم.. حين عاتب «عين» على طول غيابها، قالت إن الموت هو الذى منعها من الحضور. المعلم لم يقبل هذا الاعتذار، وقال «إن الموت لا يستطيع أن يفرق الأحبة».

صحيح، صادق، ما كتبه نجيب محفوظ على لسان الفيشاوى، الجد.. يتجسد فى عيد الميلاد المبهج، الجميل، الذى أقامه كاتبنا المحبوب، المحترم، لويس جريس، وشارك فيه الملايين، بقلوبهم، من الذين أغدقت عليهم سناء جميل، فنها البديع، وأطلعتهم، بوضوح، على الجوانب الخفية، المبهمة، فى النفس البشرية، ووصلت بمدرسة الأداء التمثيلى المصرى، إلى مستوى رفيع بحق.

سناء جميل، اسمها أصلا تريا يوسف عطا الله، ولدت فى ملوى ١٩٣٠، أخذت من الصعيد قدرا غير قليل من الصلابة، وقوة الإرادة.. أحبت مرتين، حبا إيجابيا خالصا، الأول للفن، الأداء التمثيلى الذى بادلها عشقا بعشق، اختارته ليكون مهنتها ومحور حياتها، فى سبيله تقبلت، مقاطعة الأهل لها، حيث انضمت إلى صفوف معهد التمثيل لتتلقى أسراره ومفاتيحه على يد سيد البنائين، زكى طليمات، العميد، الذى تعلمت منه كيفية معايشة الأدوار المسرحية، فضلا تفهم أبعادها وتضاريسها، ثم التعبير عنها، بالصوت، ملامح الوجه، حركة الجسم.. عرفت، بحكم ثقافتها الفرنسية، بفضل مدرستها الفرنسية، مسرحيات موليير وكورنى وراسين.. وعن طريق الفنان الكبير، عبدالوارث عسر، تعلمت فن الإلقاء، تذوق اللغة العربية، بحروفها، تراكيبها، إيقاعها، معانيها الظاهرة والخفية.. مع فتوح نشاطى، المتبتل فى محراب المسرح، وتحت قيادته، اكتملت أدواتها، غدت من معالم فرقة المسرح القومى العتيدة، الراسخة.

على شاشة السينما، سطعت صورتها، وأصبحت بعض الشخصيات التى جسدتها، بتعبيراتها، سواء بملامح الوجه، أو بطريقة نطق الكلام، جزءا من الثقافة الشعبية، فى رواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ، جملة مؤثرة، آتية من أعماق «نفيسة» حين يعاملها أحدهم بغلظة، تقول «قل لى كلاما جميلا ولو كذبا».. تعبر عنها سناء جميل بنظرة منكسرة، لا تخلو من رجاء ممتزج بالتعاسة.. أعرف أناسا، من عشاق الفيلم الواحد، ليس عندهم الجلد الكافى لمتابعة الأفلام، خاصة العربية، المصرية، باستثناء «الزوجة الثانية» لصلاح أبوسيف ١٩٦٧، الذى يحفظون تفاصيله تماما.. ومع هذا، يترقبون بشغف، سناء جميل، حين تقول، بعزيمة يشوبها الخجل «الليلة يا عمدة».. أو عندما تجلس على السرير صامتة، تتخيل، فيما يبدو، ما يدور بين زوجها العمدة، وعروسه، لأنها فجأة، تلطم خديها لطمات يمتزج فيها الأسى بالغضب مع قلة الحيلة.. إنها، أستاذة الانفعالات الحادة، المركبة.

أما حبها الثانى، الشخصى، فإنه من نصيب شريك حياتها، لويس جريس، منحه الله الصحة وطول العمر، الذى طالعنا فى برنامج «قصر الكلام»، بمناسبة عيد ميلادها.. وفى لفتة مهنية، رقيقة وذكية، ترك مقدم البرنامج، المذيع النابه، الدسوقى رشدى، ضيفه، منفردا أمام الكاميرا، ليتحدث مع المشاهدين، عن مشوار حياته، مع «زهرة الصبار» حسب وصف ناقدنا الكبير، حسن عطية.

فى كلام لويس جريس، النابع من وجدان دافئ، نعلم أنها هى، التى اختارته زوجا لها.. وبعيدا عن التفاصيل الآسرة، التى يجيد سردها أحد ملوك الحكايات، لويس جريس، يلاحظ متابع البرنامج، ألق روح الشباب، تتزايد فى عيون جريس، كلما أوغل فى الحديث عنها، بل تتلاشى خطوط الزمن فى وجهه، ويعلو رنين البهجة فى صوته.. إنه من أجمل أعياد الميلاد، يؤكد ما قاله معلمنا، نجيب محفوظ: إن الموت لا يستطيع أن يفرق الأحباب.

نقلًا عن جريدة “الشروق”

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock